سيريانديز ـ نجوى صليبه
في عام 2016 تسلّم رئاسة تحرير مجلة "أسامة" الموجّهة للأطفال، وعلى الرّغم من الظّروف الصعبة آنذاك، حرص الشّاعر قحطان بيرقدار على تقديم محتوى جديد وجيّد للأطفال، وبالإضافة إلى هذه المهمّة ونظراً للجهود التي بذلها كُلف بإدارة مديرية منشورات الطفل في الهيئة العامّة السّورية للكتاب في عام 2020.
أمّا بدايته مع عالم الطّفل فتعود إلى 2000، عندما بدأ رحلته في كتابة كلمات الأغنيات لمصلحة قناة "سبيستون" الموجّهة للأطفال، نذكر آخرها كلمات أغنية "أمي" وشارة مسلسل "عبير والصّغير"، وعلى الرّغم من كونه معتاد على كتابة الأغنيات الموجّهة إلى الأطفال أكثر من الشّعر، يحتفي، اليوم، بتحويل مجموعة قصصية كاملة إلى مجموعة من الأغنيات، يقول: "هناك فرق بين القصائد الموجّهة إلى الأطفال والأغنيات الموجهة إلى الأطفال.. الكتابة تختلف.. فليس كل ما يُكتب من شعر للطفل يُلحّن ويُغنّى، وأنا عندما أكتب الأغنية لا أتخلّى عن شروط العملية الشّعرية المعروفة الوزن والإيقاع والتّشابيه والأخيلة والصّور والتّأثير والعاطفة والمشاعر والصّور البصرية، كلّها تكون موجودة، وأكتب وأنا أتخيل أنّ رسّامين سيحوّلونها إلى مقاطع مصوّرة ـ فيديو كليب ـ مؤلّفة من رسوم متحرّكة.. وكلّ هذا أراعيه وأنا أكتب القصيدة الموجّهة إلى الطّفل".
"مدرستي بيتي الثّاني" عنوان المجموعة الشّعرية الثّانية التي خصصها بيرقدار للأطفال، والصّادرة في عام 2023 عن "دار نجمة" للإنتاج الفنّي والأدبي للأطفال، والتي حوّلتها الدّار، مؤخّراً، إلى مجموعة أغنيات، يوضّح بيرقدار: "ما قلته سابقاً ينطبق على هذه المجموعة، إذ تمّت معالجة القصائد وتحوّلت إلى أغنيات موجّهة إلى الأطفال، ما يقدّم فائدة كبيرة للطّفل، بحيث أنّه يستطيع قراءة الكتاب الورقي والإلكتروني ويستطيع الاستماع إلى القصائد المُلحّنة والمُغنّاة من خلال عمل متكامل له هوية ذات وحدة موضوعية بشكل أو بآخر".
تتوسّط "مدرستي بيتي الثّاني" إصدارين للشّاعر بيرقدار في هذا المجال، ففي عام 2008 صدرت مجموعته الأولى "من نغم إلى نغم" التي فازت بالجائزة الأولى في "جائزة الشّارقة للإبداع العربي" في العام ذاته، وطُبعت في دائرة الثّقافة والإعلام في الشّارقة، وفي عام 2024، صدرت مجموعته الثّالثة "بالعطاء نحقق الأمل" الصّادرة عن دار نجمة أيضاً، لكن ما يميّز هذه المجموعة هو أنّها تتحدّث عن عالم المدرسية، يوضّح بيرقدار: "هذا العالم الذي يهمّ الأطفال بمختلف الشّرائح العمرية، حاضر بكلّ تفاصيله في قصائد هذه المجموعة التي بلغت الأربع وثلاثين قصيدة.. ابتداءً من قيمة العلم والحضّ على طلبه والسّير في سبيله، وما يتعلّق بافتتاح المدارس أبوابها في بداية العام الدّراسي، فهناك قصيدة تتحدث عن حافلة المدرسة وأخرى عن الأطفال وهم في طريقهم إلى المدرسة وفي إيابهم منها، ولهذه الفكرة ذكرى عند الأطفال فأحببت أن يكون لها قصيدة خاصة فيها، وكتبت عن المقعد والدّفتر والقلم والأدوات المدرسية وحديقة المدرسة ومكتبتها، وعن المعلم، وهناك قصيدة عن يوم النّجاح والتّخرج من المدرسة في نهاية المرحلة، وكلّها تتكئ على أسلوب قصصي في طرح الأفكار، بعيداً عن المباشرة والوعظ والإرشاد، وعن طريق مشاهد درامية ومتحرّكة بحيث أنّ الطّفل عندما يقرأ القصائد يشعر بأنّه يشاهد مسلسلاً أو فيلماً عبارة عن مشاهد بصريّة تجذب الطّفل وتشدّه لكي تصل القيمة التّربوية المُرادة من كلّ قصائد المجموعة".
يضيف بيرقدار: "في هذا الإطار كانت فكرة المجموعة طبعاً "دار نجمة" ممثّلة بمديرها مصطفى جاويش تبنّت العمل، وطبعته بعد أن أرسلته إلى رسّام رسمه بأسلوب طفولي وألوان مشرقة تناسب الأطفال، ورسوم توضيحية تعبّر عن القصائد وطُبع بحلّة جيّدة وجميلة.. وكنت سعيداً جداً بصدور العمل ولاسيّما أنّ الأعمال التي أكتبها للأطفال لها مكانة خاصّة في قلبي، لأنّي أخاطب الأطفال وأقترب من عالمهم ويسعدني دائماً أن أنتج لهم من الشعر ما يناسبهم ويرتقي بذائقتهم الفنّية والأدبية ويزرع في دواخلهم بذور القيم التّربوية والأخلاق الفاضلة".
كلّ هذه الأمور كانت السّبب في تحويل المجموعة إلى "ألبوم" أغنيات يرددها الطّفل ويحفظها، يوضّح بيرقدار: "الدّار عملت على تلحين قصائد المجموعة وأدائها وغنائها، مع مقاطع مصوّرة ـ فيديو كليب" عبر رسوم توضيحية متحرّكة، وكلّ ذلك بفضل فريق عمل متكامل (رسم: أيمن حميرة، أداء: شامة، إخراج: لينا مصطفى الزيبق، تنفيذ "زي وورك شوب"، والإشراف العام: مصطفى جاويش)، وبذلك تتحوّل القصائد من صيغتها الورقية إلى صيغة سمعية بصرية تعتمد على فنّي الموسيقا والغناء، ما يسهم في سرعة وصول القصائد إلى الطّفل وتعلّقه فيها وحفظه لها وترديدها، وهذا ينعكس إيجاباً على سلوكه فيما يخصّ عالم المدرسة وقيمة العلم وطلبه".
وبالسّؤال عن أهمية تلحين وغناء القصائد الموجّهة إلى الطّفل، يجيب بيرقدار: "هذا أمر مهمّ جداً وله دور كبير في أن يحفظ الطّفل القصيدة ويتمثل معانيها، وتالياً تصل القيم التّربوية المُرادة من القصيدة إليه وتؤثّر فيه لاحقاً وتسهم في بناء شخصيته، وكلّ هذا يسهم في بناء ذائقته الفنية والأدبية واللونية وتحرّضه على الإبداع إذا كان يمتلك موهبة في الرّسم أو كتابة الشّعر أو الغناء أو الموسيقا.. كلّ هذه الأسباب والنّقاط تسهم في تعزيز أكثر من فنّ موجّه إلى الطّفل من خلال القصيدة المغناة فهو يتعامل مع النّص الشّعري بالكلمة بالدّرجة الأولى، ثم مع اللحن والصّوت وطريقة الأداء والإيقاع وهذا يكون له دور، وتالياً التّلقي يكون ذا أبعاد متعددة وكلّ ذلك يسهم في زيادة جرعة التّأثير داخل الطفل وإيصال القيم التّربوية بشكل أسرع ومن ثمّ العمل بمقتضاها".