أكد المدير العام للمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد)، الدكتور نصر الدين العبيد، أن الإبل تمثل اليوم أحد أهم الموارد الاستراتيجية القادرة على دعم الأمن الغذائي وتعزيز التنمية المستدامة في المناطق الجافة وشبه الجافة، مشيراً إلى أن هذا القطاع يشكل ركيزة واعدة لمواجهة تحديات التغير المناخي وندرة المياه في الوطن العربي.
وقال العبيد، في كلمة بمناسبة اليوم العالمي للإبل الذي يصادف الثاني والعشرين من حزيران من كل عام، إن الإبل تحتل مكانة خاصة في وجدان وثقافة الشعوب العربية، حيث ارتبطت بتاريخ المنطقة وهويتها الحضارية على مدى آلاف السنين، فضلاً عن دورها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المتنامي.
وأشار إلى أن الاهتمام الدولي المتزايد بالإبل تجسد في تخصيص الأمم المتحدة يوماً عالمياً لها، وإعلان عام 2024 سنة دولية للفصائل الإبلية، تقديراً لأهميتها في تعزيز الأمن الغذائي والحفاظ على التراث الثقافي.
وأوضح العبيد أن الإبل تمثل ثروة حيوانية استراتيجية بفضل قدرتها العالية على التكيف مع البيئات القاسية، إلى جانب مساهمتها في توفير منتجات غذائية ذات قيمة عالية، وفي مقدمتها الحليب واللحوم، فضلاً عن الصوف والجلود، ما يجعلها مصدراً مهماً للدخل في العديد من المجتمعات الريفية والرعوية.
وأضاف أن منظمة أكساد أدركت مبكراً الأهمية الاستراتيجية للإبل، فأنشأت برنامجاً متخصصاً لبحوث وتطوير الإبل بهدف تحسين مستوى معيشة المربين وتعزيز استدامة الإنتاج وتطوير تقانات التربية والتغذية والصحة الحيوانية، إضافة إلى تحسين تصنيع وتسويق منتجات الإبل.
وبيّن أن أكساد أطلقت عام 1991 شبكة بحوث وتطوير الإبل العربية (CARDN) بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) والبنك الإسلامي، لتشكل منصة علمية وتعاونية رائدة لتنسيق الجهود البحثية والتنموية بين الدول العربية.
واستعرض العبيد أبرز المشروعات التي نفذتها أكساد في قطاع الإبل، ومنها مشروع تقييم وتحسين إنتاج وتسويق حليب الإبل في عدد من الدول العربية، والذي أسهم في إنشاء منظومات متكاملة لإنتاج وتجميع وتبريد وتصنيع الحليب، وإعداد مواصفة عربية مرجعية لحليب الإبل، بما انعكس إيجاباً على دخل المربين والأمن الغذائي للمجتمعات الرعوية.
كما أشار إلى نجاح مشروع خفض نفوق مواليد الإبل في عدد من الدول العربية، حيث تمكن من تقليص معدلات النفوق من 20.7 بالمئة إلى 4.8 بالمئة من خلال تطوير برامج التحصين الوقائي وتأهيل المختبرات البيطرية وتدريب الكوادر الفنية على أحدث التقنيات التشخيصية.
وأوضح أن أكساد نفذت أيضاً مشاريع متخصصة لدراسة أنظمة رعي الإبل وتحسين دخل المربين وتبادل الخبرات، ما ساهم في تطوير أساليب التربية والرعاية، وتحسين المراعي الطبيعية، وتشجيع إنتاج وتصنيع مشتقات حليب الإبل، وتأمين حلول مستدامة لمياه الشرب في مناطق الرعي.
وفي مجال البحث العلمي والابتكار، أكد العبيد أن المنظمة أنجزت العديد من الدراسات المتخصصة في التحسين الوراثي والتنشئة الاصطناعية للمواليد وتصنيع منتجات حليب الإبل، إضافة إلى دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية للمزارع الرعوية، إلى جانب تنفيذ عشرات الدورات التدريبية وورش العمل العلمية لتأهيل الكوادر الفنية والباحثين.
ولفت إلى أن آخر هذه الأنشطة تمثل في تنظيم ورشة عمل بعنوان “واقع الإبل وآفاق تطويرها في الدول العربية”، بمشاركة أكثر من 57 باحثاً وخبيراً من 26 دولة عربية.
وأشار العبيد إلى أن خبراء أكساد عملوا على تأهيل المراعي الطبيعية المتدهورة عبر استزراع النباتات المتحملة للجفاف والملوحة، وتأمين مصادر مياه الشرب للإبل، وتطبيق التقانات الحديثة مثل التلقيح الاصطناعي ونقل الأجنة والحلابة الآلية والتربية الاصطناعية للمواليد، إضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات متخصصة لحصر أعداد الإبل في الوطن العربي.
وأكد أن المنظمة تواصل العمل على تطوير مشاريع جديدة تشمل تحسين إنتاجية الإبل بالانتخاب الوراثي، وإنشاء قواعد بيانات متخصصة، وتطبيق النمذجة الرياضية للأمراض الحيوانية، وتوسيع برامج تبادل الخبرات العربية بما يواكب متطلبات التحول الرقمي والتغيرات المناخية.
وفي ختام كلمته، شدد العبيد على أن الإبل لم تعد مجرد موروث ثقافي أو مورد تقليدي، بل أصبحت ركيزة حقيقية لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في المناطق الجافة، ومجالاً واعداً للاستثمار والابتكار والتنمية الريفية.
ودعا إلى تعزيز الشراكات العربية والإقليمية والدولية، وتوسيع الاستثمار في البحث العلمي والتقانات الحديثة، ودعم المربين والشباب العاملين في هذا القطاع الحيوي، بما يضمن استدامته وتعظيم مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي .