•شادي مكرم حجازي
في الثامن من حزيران 2026، أعلنت المملكة المتحدة تعيين الدبلوماسي المخضرم باري بيتش (Barrie Peach) قائماً بأعمال المبعوث الخاص إلى سوريا خلفا للمبعوثة السابقة آن سنو. وانتقل بيتش إلى هذا المنصب القيادي الرفيع من موقعه السابق نائباً لرئيس البعثة ورئيساً لمكتب المملكة المتحدة لسوريا في بيروت، في خطوة تعكس مقاربة بريطانية براغماتية لترسيخ الحضور الغربي في دمشق خلال مرحلة انتقالية حساسة.
باري بيتش دبلوماسي بريطاني محنّك في وزارة الخارجية والتنمية البريطانية (FCDO)، صقل خبرته في إدارة الأزمات داخل بيئات الشرق الأوسط الأكثر حساسية. تولى منصب المتحدث باسم السفارة البريطانية في الرياض و انتقل بعدها إلى مسرح أشد تعقيداً، فتولى منصب نائب رئيس البعثة ورئيس مكتب المملكة المتحدة لسوريا، الذي اتخذ من بيروت مقراً له طوال سنوات انقطاع العلاقات الرسمية مع دمشق وإغلاق السفارة البريطانية. ومن هذا الموقع أدار واحدة من أضخم الاستجابات الإنسانية في تاريخ بلاده، إذ تجاوز الدعم البريطاني المخصص للمجتمعات السورية منذ 2011 أربعة مليارات وثمانمئة مليون جنيه إسترليني. تطلّب الملف منه رصداً دقيقاً لمؤشرات الأداء وتقييماً مستمراً للبرامج التنموية، إضافة إلى تنسيق معقد مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أتاحت له هذه التجربة نسج شبكة واسعة من العلاقات مع منظمات المجتمع المدني السورية والمجالس المحلية والفاعلين الدوليين، ومنحته فهماً دقيقاً للديناميكيات الداخلية، ليكون الخيار الأنسب لقيادة البعثة في دمشق حاليا حيث ورثت الحكومة الانتقالية اقتصاداً مدفوعاً إلى حافة الهاوية، فلجأت إلى سياسة "علاج بالصدمة النيوليبرالية":
تعاني البلاد من عجز في الطاقة يستنزف حوالي مليار دولار سنوياً.
أدى فرض زيادات حادة على تعرفة الكهرباء إلى قفزة في الفواتير المنزلية لتصل إلى ملايين الليرات.
يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر.
يبلغ الحد الأدنى للأجور حوالي 750 ألف ليرة، بينما تقدر تكلفة المعيشة بـ 11.6 مليون ليرة شهرياً.
تفرض هذه السياسات على الفاعلين معضلة الموازنة بين دعم الاستثمارات وتخفيف الصدمات على الطبقات الفقيرة لتجنب عدم الاستقرار.
وعلى الصعيد الحقوقي، وبالتزامن مع عودة الحياة الثقافية وكسر حاجز الخوف، يصطدم المجتمع بإرث ثقيل يتمثل في وجود أكثر من 100,000 مختف قسرياً من حقبة الأسد. وتلتزم بريطانيا بتقديم الدعم القانوني لإنشاء محاكم تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب.
هذا و تشير استطلاعات الرأي إلى مؤشرات بالغة الأهمية للدبلوماسية البريطانية. حيث قدم استطلاع الرأي الدوري الذي أجرته مجلة "سوريا في مرحلة الانتقال" (Syria in Transition) بعد 14 شهراً من سقوط الأسد، وشمل 900 مقابلة شخصية في دمشق وريفها وحمص، خارطة طريق استراتيجية لعمل باري بيتش:
انخفضت نسبة تفاؤل السوريين بمسار البلاد من 73% إلى 63%، متأثرة بالإصلاحات الاقتصادية القاسية.
يحظى المسار الحكومي بتأييد 90% من أصحاب الدخل المرتفع، بينما ينخفض التأييد إلى 65% بين الطبقات العاملة.
يرفض 42% من السوريين التواجد العسكري الروسي بشدة.
يرى 61% من السوريين أن الدور الأوروبي إيجابي، مما يمنح بريطانيا تفويضاً ضمنياً لتعزيز حضورها.
يفضل 50% من السوريين استخدام الوسائل الدبلوماسية حصراً لحل الصراع مع إسرائيل، وهو ما انعكس في محادثات أمنية بباريس في كانون الثاني/يناير 2026.
في المحصلة، يُعتبر تعيين باري بيتش تأكيدا على قيام بريطانيا بالانخراط الاستراتيجي من الداخل. وسيكون عليه ترجمة التفاهمات إلى سياسات عملية، مع التركيز على التعافي المبكر والعدالة الانتقالية، لتهيئة الظروف لعودة آمنة للاجئين.