سيريانديز – خاص
في مشهد يصفه مواطنون بأنه أحد أكثر مظاهر الارتباك النقدي وضوحا منذ بدء عملية استبدال العملة مطلع العام، تواصل مؤسسات حكومية في محافظة حلب رفض التعامل بالليرة السورية القديمة، وإلزام الأهالي بالدفع حصرا بالليرة الجديدة، سواء في فواتير الكهرباء والهاتف أو الرسوم والضرائب والمستحقات المالية المختلفة.
ويأتي هذا التشدد المحلي يأتي رغم أن الليرة القديمة ما تزال معتمدة رسميا بموجب قرار حاكم مصرف سوريا المركزي رقم (222/ح) الذي مدد مهلة استبدال الفئات القديمة بالجديدة لمدة 60 يوما إضافية اعتبارا من 1 نيسان 2026 وكرّس استمرار فترة التعايش بين العملتين.
تناقض
خبراء اقتصاد إلى أن المفارقة الأكبر تكمن في أن الحاكم نفسه أقر في مقابلة قناة "العربية Business " يوم الأحد 19 الشهر الجاري بأن عملية استبدال الكتلة النقدية لم تتجاوز 50% منذ انطلاقها رسميا في 1 كانون الثاني 2026، ما يعني أن نصف السيولة المتداولة في البلاد ما تزال من الفئات القديمة، ورغم ذلك، تصرّ مؤسسات حلب على رفضها، في خطوة يعتبرها مختصون تجاهلا للواقع المالي وتناقضا مع التعليمات المركزية.
ويزداد المشهد غرابة، بحسب الإعلامي حسن ناصر، حين يتبيّن أن وزير المالية نفسه لا يزال يستخدم الليرة القديمة في تصريحاته الرسمية، وآخرها حديثه لوكالة سانا الأسبوع الماضي حول المنظومة التشريعية الضريبية، حين قال إن الإعفاء من ضريبة الدخل سيشمل من دخله أقل من 64 مليون ليرة سورية قديمة، ولم يقل 6400 ليرة جديدة مشيرا إلى أن استمرار أعلى مسؤول مالي في البلاد باستخدام الليرة القديمة يشرعن عمليا التعامل بها ما يطرح سؤالا حول كيفية ذهاب مؤسسات حلب إلى موقف أكثر تشددا من الجهات المركزية نفسها.
ويرى ناصر المقيم في حلب في تصريح لشبكة سيريانديز إن هذا التناقض انعكس مباشرة على المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام معضلة يومية: كيف يمكن دفع المستحقات بالعملة الجديدة بينما ما يزال تأمينها صعبا، وحجم التداول بها لم يتعدى نصف الكتلة النقدية؟ موضحا أن بعض الأهالي يضطرون لتأجيل دفع الفواتير أو الرسوم بسبب عدم توفر الفئات الجديدة لاسيما وأن الدوائر الحكومية في حلب ترفض حتى النقاش وتصر على الدفع حصرا بالعملة الجديدة ما خلق حالة من التوتر والازدحام والامتعاض.
ويصف خبراء ماليون ما يجري بأنه “ارتباك إداري ينعكس مباشرة على الثقة النقدية”، معتبرين أن محافظة حلب تتصرف خارج الإطار المركزي، وكأن لكل محافظة سياستها النقدية الخاصة، في هذا السياق يرى الخبير القانوني عبد المعطي حس أن “القرار كان يجب أن يكون موحدا على مستوى البلاد، لأن العملة شأن سيادي لا يمكن تجزئته”، مضيفا في تصريح لشبكتنا أن “فرض التعامل بالعملة الجديدة في محافظة واحدة فقط يخلق تشوها في السوق ويضعف قدرة المواطنين على الالتزام ويزيد من احتمالات المضاربة”.
وأشار حسن إلى أنه كان من الأجدى بمحافظة حلب أن تقوم بجمع الليرة القديمة من المواطنين وتسليمها للمصرف المركزي، للمساهمة في تسريع عملية الاستبدال التي تبدو متعثرة حتى الآن، بدلا من “وضع العصي في الدواليب” عبر رفض العملة القديمة دون توفير بديل عملي، مؤكدا أن النص واضح: "الليرة القديمة ما تزال قانونية ومتداولة، ورفضها يشكل مخالفة صريحة للتعليمات المركزية".
تساؤلات حول مركزية القرار المالي
ووفق نتائج التقصي الذي أجرته شبكة سيريانديز لحركة الأسواق وطريقة دفع المستحقات والفواتير في المحافظات الأخرى فإن رفض المؤسسات الحكومية استلام قيم الفواتير والاستحقاقات الأخرى من المواطنين بالعملة القديمة يقتصر على محافظة حلب، بينما تستمر باقي المحافظات بالتعامل الطبيعي مع العملتين، ما يفتح باب التساؤلات حول مركزية القرار المالي: هل أصبح لكل محافظة سياستها النقدية الخاصة؟ وهل نحن أمام سابقة قد تؤدي إلى تطبيق القوانين المالية بشكل مختلف من محافظة إلى أخرى؟ ولمصلحة من يتم خلق هذا التباين الذي يربك المواطنين ويضعف الثقة بالمنظومة النقدية؟
في المحصلة، لا أحد يعترض على ضرورة إنجاز عملية استبدال العملة، ولا على أهمية الانتقال إلى فئات جديدة أكثر أمانا وتنظيما، لكن الاعتراض، كما يرى الكثيرون، ينصب على الأسلوب: قرارات متناقضة، تعليمات غير موحدة، ومؤسسات تتصرف خارج الإطار المركزي، بينما نصف الكتلة النقدية ما يزال من الفئات القديمة، ووزير المالية نفسه يستخدمها في تصريحاته، وبينما يؤكد المصرف المركزي أن التعايش بين العملتين مستمر، تصر مؤسسات حلب على موقف مختلف تماما، ما يضع المواطنين في قلب فوضى لا مبرر لها.
الأسئلة اليوم أكبر من القرار نفسه: هل نحن أمام خلل في التنسيق بين المحافظات والسلطات المركزية؟ وهل تتحول عملية استبدال العملة إلى عبء إضافي على المواطنين بدلا من أن تكون خطوة إصلاحية؟ وهل يمكن لملف نقدي بهذا الحجم أن يدار بقرارات متفرقة، بينما ينتظر الجميع سياسة موحدة وواضحة؟ هذه أسئلة لا بد منها، لأن الثقة بالعملة لا تبنى بالقرارات المتناقضة، بل بالوضوح، والاتساق، واحترام التعليمات الرسمية