سمر السمارة
حذرت دراسة أجرتها مؤسسات بحثية في لندن وتولوز وإكستر، ونشرتها مجلة "ذي لانسيت بلانيتاري هيلث" من أن البلاستيك قد يكلف البشرية 83 مليون سنة من الحياة الصحية، مؤكدة أن مواصلة اعتماد البشرية على إنتاج البلاستيك المشتق بشكل أساسي من الوقود الأحفوري - الذي يُساهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض- سوف يُلحق الضرر بالصحة العالمية خلال العقدين القادمين.
كما أوضحت الدراسة أن "دورة حياة البلاستيك تُطلق مجموعة من الغازات والنفايات التي تُساهم في العبء العالمي للأمراض، بما في ذلك غازات الاحتباس الحراري التي تُؤدي إلى تغير المناخ، وملوثات الجو المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي، والنفايات الكيميائية الخطرة المرتبطة بالسرطانات وغيرها من الأمراض غير المعدية.
إذ تصدر هذه الانبعاثات في جميع مراحل سلسلة قيمة البلاستيك، من استخراج النفط والغاز، الذي يُوفّر المواد الخام لأكثر من 90% من المواد البلاستيكية العالمية، إلى إنتاج المواد الخام وتصنيع المنتجات، والنقل العالمي، وإعادة التدوير، وسوء إدارة النفايات الرسمية وغير الرسمية، وصولاً إلى التحلل التدريجي للبلاستيك في البيئة".
لذا، قام الباحثون بوضع نماذج لسيناريوهات مُختلفة لإنتاج البلاستيك واستهلاكه والتخلص منه خلال الفترة الممتدة بين عامي2016 و 2040.
وبحسب المؤسسات البحثية في لندن، "تُعدّ هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تقدم تقديراً لعدد سنوات الحياة الصحية المفقودة، التي ترتبط بالمسار العالمي لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري وملوثات الجو والمواد الكيميائية السامة المنبعثة خلال دورة حياة البلاستيك على مستوى العالم.
إلى ذلك، قدّر الفريق البحثي أنه في حال عدم إدخال أي تغييرات على السياسات والممارسات العالمية المتعلقة بفرض قيود على استخدام وإنتاج البلاستيك، قد يتضاعف عدد سنوات الحياة الصحية المفقودة عالمياً من نحو 2.1 مليون سنة في عام 2016 إلى 4.5 مليون سنة بحلول عام 2040، وهو مؤشر يُستخدم لقياس العبء الصحي الناتج عن الإعاقة أو الوفاة المبكرة.
وفي ظل استمرار الوضع الراهن، سيكون 40% من الأضرار الصحية مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة، ونحو الثلث بتلوث الجو، وأكثر من الربع بالمواد الكيميائية السامة.
نتيجة لمحدودية البيانات - لا سيما المتعلقة بمرحلة استخدام المواد البلاستيكية والمواد الكيميائية الموجودة - صرحت المعدة الرئيسية للدراسة ميغان ديني، بأن التقديرات الحالية " أقل بكثير من التأثير الإجمالي على صحة الإنسان"، مؤكدة أن الخطر مرشح للتفاقم ما لم تتغير السياسات الحالية. وقالت الباحثة الرئيسية: "هناك حاجة إلى تغيير جذري في دورة إنتاج البلاستيك واستخدامه والتخلص منه، بدءاً من مرحلة الإنتاج وحتى مرحلة التخلص منه"، داعيةً إلى "تحرك جاد من الحكومات وشفافية الصناعة.
مع ذلك، تمكن الباحثون من تقديم بعض التوضيحات حول الآثار الصحية السلبية، وذلك بفضل إعادة توظيفهم لأساليب النمذجة المستخدمة عادةً لتقييم البصمة البيئية للمنتجات والتقنيات الفردية.
كما اعتبرت الأستاذة بجامعة إكستر والمشاركة في إعداد الدراسة، أن هذه الأساليب أداة بالغة الأهمية لمعالجة قضايا الاستدامة على نطاق أوسع، مشيرة إلى أن هذا النهج يُمكن أن يُساعد في الكشف عن الآثار الهائلة للبلاستيك على صحة الإنسان طوال دورة حياته، مؤكدة أن الحاجة ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة للحد من آثار البلاستيك على البيئة، وبالتالي على صحة الإنسان" .
كما أكدت ديني أن هذه الإجراءات لا يُمكن أن تقتصر على المستهلكين ُحيث أظهر البحث أن التأثيرات الصحية السلبية للتلوث البلاستيكي تتجاوز بكثير لحظة شراء منتج بلاستيكي أو وضع مواد بلاستيكية في حاوية إعادة التدوير،
مشيرة إلى أنه، غالباً ما يُلقى اللوم على الأفراد المستهلكين للبلاستيك لحل المشكلة، بينما يتعين على الجميع الإضطلاع بدورٌ هام في الحد من استخدام البلاستيك، حيث يظهر التحليل ضرورة القيام بتغيير جذري في جميع مراحل إنتاج البلاستيك واستخدامه والتخلص منه، بدءاً من مرحلة الإنتاج وحتى التخلص النهائي، مضيفة أنه لابد من قيام الحكومات بإجراءات أكثر طموحاً، وإظهار شفافية أكبر في مجال الصناعة للحد من هذه الأزمة الصحية العالمية المتفاقمة المتعلقة بالبلاستيك.
واعطت ديني مثالاً حول دورة حياة عبوة المياه البلاستيكية، موضحة أن أكثر من 90% من البلاستيك يُصنّع من الوقود الأحفوري، ثم يخضع لعمليات كيميائية معقدة قبل طرحه في الأسواق، لينتهي بعد استخدامه في مكبات النفايات، حيث قد يستغرق قرونا للتحلل، مطلقا مواد كيميائية، لذا فإن الإجراء الأكثر فعالية يكون من خلال خفض إنتاج البلاستيك.
في المحصلة، فإن نقص البيانات لا يؤثر فقط على دراسات كهذه، بل إن عدم إفصاح الصناعة عن التركيب الكيميائي للبلاستيك وعدم اتساق التقارير بشأنه يُحدّان بشدة من قدرة تقييمات دورة الحياة على توجيه السياسات الفعالة لحماية الإنسان والنظم البيئية والبيئة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تعثرت فيه المفاوضات الدولية الرامية إلى إبرام معاهدة عالمية لمكافحة التلوث البلاستيكي، بعد فشل جولتين من المحادثات في عامي 2024 و2025، وسط معارضة من دول منتجة للنفط.
ورغم ذلك، شددت ديني على أن مواجهة هذه "الأزمة الصحية العالمية" لا تزال ممكنة، من خلال إجراءات وطنية حازمة تقلل الاعتماد على البلاستيك وتحد من مخاطره على صحة الإنسان والبيئة.
بدوره، أكد المسؤول البارز في حملات منظمة غرينبيس بالولايات المتحدة الأمريكية غراهام فوربس، أن عدم التوصل إلى اتفاق في جنيف أصبح بمثابة جرس إنذار للعالم، فإنهاء التلوث البلاستيكي يعني مواجهة مصالح الوقود الأحفوري بشكل مباشر. وعلى الرغم من رغبة الغالبية العظمى من الحكومات في اتفاق قوي، إلا أنه سُمح لقلة من الجهات الفاعلة السيئة باستغلال الإجراءات القانونية لإجهاض هذه الطموحات.