(Tue - 9 Jun 2026 | 03:04:33)   آخر تحديث
https://www.albaraka.com.sy/
محليات

148305 مسافرين عبر مطار دمشق الدولي خلال أيار 2026

  [ إقرأ أيضاً ... ]
 
البحث في الموقع
أخبار اليوم

مدير عام “أكساد”: العمل المناخي ضرورة ملحّة لمواجهة التصحر وشح المياه وتعزيز الأمن الغذائي العربي

  [ إقرأ أيضاً ... ]
 
 ::::   أين هي الحدود؟ في مخاوف التهوين من التدخلات البيوطبية   ::::   مشروعان تنمويان لـ ( أكساد )   ::::   كيف يعود المنتج السوري إلى أسواق العالم؟   ::::   وزير التعليم العالي: نتابع قضايا الطلاب بدقة وسنطلق استبياناً إلكترونياً لتغيير الاختصاص   ::::   الخطوط الجوية السورية تعلن استئناف رحلاتها عبر مطار دمشق بعد إعادة فتح الممرات الجوية   ::::   الهيئة العامة للمنافذ ترفع جاهزيتها في منفذ نصيب لاستقبال الحجاج العائدين براً   ::::   حاكم مصرف سوريا المركزي يبحث مع محافظ إدلب واقع القطاع المصرفي في المحافظة   ::::   السياحة تطلق البرنامج الوطني “نرتقي من الأساس” لتطوير وتأهيل فنادق ذات سوية النجمة والنجمتين   ::::   سورية تستضيف ورشة عمل تخصصية حول مواصفات وشهادات الحلال لتعزيز جودة المنتجات وفتح أسواق جديدة   ::::   غرفة تجارة حلب تبحث مع شركة صينية تطوير التعاون التجاري   ::::   انخفاض سعر الذهب 200 ليرة جديدة في السوق السورية‎ ‎   ::::   148305 مسافرين عبر مطار دمشق الدولي خلال أيار 2026   ::::   مدير عام “أكساد”: العمل المناخي ضرورة ملحّة لمواجهة التصحر وشح المياه وتعزيز الأمن الغذائي العربي   ::::   عملاق صناعة الأجبان العالمي “Arla” يبحث مع شركة    ::::   جزيرة أرواد: لؤلؤة المتوسط بحاجة إلى اهتمام   ::::   الوزير الحلبي: متابعة مطالب خريجي جامعتي إدلب ‏وحلب الحرة سابقاً بشأن المفاضلة الطبية الموحدة   ::::   بدء فعاليات اليوم الثالث والأخير من المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري   ::::   مباحثات سورية إماراتية لدعم مشاريع الطرق والسكك    ::::   المولوي يضع الاصبع على الجرح: التعقيدات التشريعية مكمن الخلل الحقيقي   ::::   الإدارة المحلية: إلغاء البلاغ رقم 17 لعام 2023 يسهم ‏باستعادة الوحدات الإدارية لصلاحياتها   ::::   اجتماع في وزارة الاقتصاد لبحث واقع القطاع الصناعي ‏وخطط تطويره‎ ‎ 
http://www.
أرشيف ثقافة ومنوعات الرئيسية » ثقافة ومنوعات
أين هي الحدود؟ في مخاوف التهوين من التدخلات البيوطبية

طرح طبيب مهتم، حاصل على درجة الدكتوراه، تساؤلات حول مدى قابلية استخدام التقنيات الطبية الحيوية في التعامل مع البشر عبر كل مراحل الحياة، بينما نتخوف من إحداث خلل بالطبيعة ومكوناتها، باستخدام التكنولوجيا، يبدو أننا نستثني النوع البشري من هذه التحذيرات بتدخلات مماثلة. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك في وقتنا الراهن هو القبول الواسع النطاق للقاحات الجينية لفيروس كوفيد 19 التي تستخدم تقنية mRNA المعدلة الجديدة.

هل يتقبل المجتمع فكرة الاستطباب في المراحل السليمة من الحياة؟

هل تتقاطع هذه التدخلات مع الوظائف البشرية الطبيعية؟

منذ بعض الوقت، وبالتأكيد منذ نشر تقنية mRNA على مستوى العالم تحت اسم التطعيم، وأنا أتساءل أين هم علماء الأخلاقيات الحيوية؟

فبالإضافة إلى الحس السليم لديّ ثلاث فرضيات:

الأولى، إن كثيرًا من علماء الأخلاقيات يفتقرون إلى التدريب اللازم لطرح بعض الأسئلة. وهذا ليس ذنبهم، لأن معظم علماء Biomedical (الطب الحيوي) والمتخصصين في الأخلاق الحيوية قد يعملون بناء على فرضية، ربما تكون خاطئة، مفادها أن جميع التطورات التكنولوجية (وقد يكون اختيار كلمة "تطور" هو جوهر المفهوم الخاطئ) تنطوي على عنصر متأصل من التحسين. وبالتالي، فهم، ربما لم يسألوا حتى عمّا إذا كانت نسبة المخاطر إلى الفوائد الإجمالية للتطبيقات الجديدة للتكنولوجيا الحيوية في صالح البشرية.

والفرضية الثانية هي أن العديد منهم يشعرون بالخوف، وبالتالي يُدفعون إلى الصمت بسبب التأثير الهائل للمجمع الصناعي الطبي الحيوي/ التكنولوجيا الحيوية على الطبقة الحاكمة (حكوماتنا وأصحاب المصلحة).

لا يقتصر الأمر على أن الصناعة والحكومات تمتلك موارد مالية ضخمة لتمويل أفضل الحملات التسويقية فحسب، بل إنها غالبًا ما توفر معظم التمويل لدعم أنشطة الأكاديميين المشاركين في أبحاث الأخلاقيات الطبية الحيوية.

إن الرسالة التسويقية الرئيسية هي أن التقنيات البيولوجية الطبية الجزيئية والخلوية الجديدة (التي تعدل الخلايا الطبيعية) آمنة وفعالة وباقية، لأنها ستحل جميع المشكلات الصحية. سواءٌ في ذلك الحادة والمزمنة (مثل الوقاية من العدوى والسرطان والأمراض المناعية والأمراض الاستقلابية وغيرها). كما أنها ستعمل على "تحسين" مسار الشيخوخة.

فرضيتي الثالثة، الأكثر إثارة للقلق، تكمن في كونها تشير إلى أن معظم أو جميع علماء الطب الحيوي والاختصاصيين في الأخلاقيات الحيوية يتفقون ضمنًا على الاستخدام العالمي لهذه التقنيات الثورية، وكأنها استمرار حتمي للمشروع البشري...

ولكن هل هذا ممكن؟

آمل أن لا يكون الأمر كذلك، لأن الجمهور يجب أن يكون على دراية بالآراء المتنوعة حول هذا الموضوع الحيوي. فأنا لست خبيرًا في الأخلاق، لذا لا أقصد بهذا أن يكون تحليلًا أخلاقيًا متخصصًا، وبالتالي فإنه لا يقدم تحليلًا من منظور إحدى النظريات الأخلاقية الرئيسية (أخلاق الواجب deontology، النظرية العواقبية consequentialism، أخلاق الفضيلة virtue-ethics). كما أنني لست شخصًا متدينًا، لذا لن أركز على الأبعاد والآثار اللاهوتية لهذه القضايا.

ما أنا إلا طبيب أحمل درجة الدكتوراه، أعمل في مجال البحوث الطبية الحيوية منذ ما يقارب عشرين سنة، أتساءل عما حدث لمفهوم احترام الطبيعة، ولا سيّما الطبيعة البشرية.

لماذا أقول إن شيئًا ما قد أثّر على احترام الطبيعة البشرية على وجه الخصوص؟ لأن مجتمعاتنا الغربية الحديثة، وعلى نحوٍ متناقض، اكتسبت درجة عالية من الاهتمام بعدم الإضرار بأي نوع من الأنواع الحية غير البشرية من حولنا.

نحن قلقون للغاية عندما تؤدي الأنشطة البشرية إلى تلويث وتدمير الأنواع الحيوانية البرية وبيئاتها، ونريد أن نستعيد مساحاتنا الخضراء وأن نحفظها ونضمن لها الازدهار. إن حكوماتنا تستثمر في الحفاظ على المساحات الطبيعية، وتَحظر الأنشطةَ البشرية التي قد تغيِّر البيئة أو النظام البيئي. كلُّ هذا يستحقّ الثناء، ومع ذلك يبدو وكأننا لا نواجه أية مشكلة، ولا ترددًا أخلاقيًا بشأن التدخل في بيولوجيتنا البشرية. وهكذا، فإن الاستخدام العالمي للتقنيات الطبية الحيوية الخلوية، الجزيئية الجديدة مثل ترجمة الخلايا للـ mRNA المصنعة في المختبر إلى بروتينات جديدة، ذلك الاستخدام الذي يعدِّل الوظائف الأساسية المركزية والطبيعية للخلايا البشرية، ليس لأن هذه الخلايا فيها عيب أو مريضة، بل ببساطة لتحسينها أو إضافة وظيفة جديدة لها، يجب أن يكون موضوعًا يثير قلقًا مجتمعيًا عميقًا، أو على الأقل اهتمامًا. لذا سأعرض في هذا المقال أفكاري ومخاوفي وتساؤلاتي التي لم أجد إجابة عليها حول بعض التقنيات التي نطورها ونستخدمها في مجال البحوث الطبية الحيوية وستؤثر عليها بشكل أعمق في المستقبل.

لقد فاجأني ما حدث على نطاق عالمي خلال أزمة كوفيد 19، لأن إحدى التقنيات التي يجري تفضيلُها في محاولة الوقاية من مرض مُعْدٍ، كانت تقنية الحمض النووي الريبوزي المعدَّل الذي أُنشِئ في المختبر، لجعل خلايا البشر تؤدِّي وظيفة لا تؤدِّيها بطبيعتها أبدًا.
 

منذ نشر تقنية mRNA على مستوى العالم تحت اسم التطعيم، وأنا أتساءل أين هم علماء الأخلاقيات الحيوية؟ (Getty)


هناك العديد من الجوانب السلبية التي وصفها علماء ينتقدون تقنية mRNA، مثل استحالة قياس كمّيّة ونوعيّة البروتينات المترجمة تحت تأثير mRAN المصنّعة في المختبر. وهذا يشكل خرقًا للمبدأ الدوائي الفعّال[1].

تذكر المقولة الشهيرة المنسوبة للطبيب والكيميائي الألماني السويسري بارسيلسوس في القرن السادس عشر الميلادي: "ما الشيء الذي لا يعتبر سُمًًّا؟ كل الأشياء سُمٌّ، ولا يوجد شيء خالٍ من السمّ". إن الجرعة وحدَها هي التي تحدد ما إذا كان الشيء سامًّا أم لا. كما أنه من المستحيل التأكد من الخلايا التي تحدث فيها الترجمة، لأن هذا الحمض النووي الريبوزي المنقوصَ الأوكسجين يجري نقلُه في جزيئات ثانوية دهنية قادرة على دخول أيِّ خلية، والانتقال إلى أيّ عضو في الجسم. ويعتمد توزيعها في الجسم على عددها الذي يمكن أن ينتقل من الفراغ الخلالي (المسافة بين الخلايا)، حيث يجري إعطاؤها عن طريق الحقْن العضلي إلى الجهاز اللمفاوي والوريدي، (ونظرًا لعدم وجود ضمان بأن 100% منها سوف يُطرح بواسطة العقد اللمفاوية)، ثمّ إلى القلب فالشرايين لتوزيعها على جميع أعضاء الجسم. وهذا يخالف ثاني أهمِّ مبدأ في علم الصيدلة، وهو المعرفة الدقيقة بالتوزيع الحيوي للمنتج الصيدلاني. إن هذه الانتقادات صائبة ومهمة، إلّا أن أكثر ما أثار اهتمامي كطبيب، لم يكن فقط المسؤوليات الدوائية الرسمية والديناميكية الدوائية لـ mRNA، بل هو الحقيقة البسيطة المتمثلة في أننا نقوم بتغيير الوظيفة الطبيعية للخلايا التي لم تكن مريضة أو غيرَ طبيعية وَفْقًا لأيِّ معيارٍ أو تعريفٍ معروف. فلماذا نحوّل الخلايا البشرية السليمة إلى مصانع لإنتاج بروتين غريبٍ بطبيعته؟ لماذا نحن مهتمّون بمنح خلايانا قدراتٍ غريبةً جديدة؟ ولماذا نفترض أن القيام بذلك لن يكون له عواقب؟ هل وظائفنا الطبيعية العادية فيها عيبٌ أو غير كافية؟ أم أن العيب يكمن في منطقنا؟

ما إن خطر هذا السؤال في ذهني حتى بدأت أفكر في التدخلات الطبيعية الأخرى التي نتجت عن الأبحاث الطبية الحيوية، ليس فقط لعلاج الأمراض أو العيوب الشاذة (وكلاهما تسبّبا بمعاناة وربّما بوفاة مبكِّرة لأشخاص)، لذلك فإننا نميل بشكل غريزي ورحيم ومتعاطف إلى حل هذه المشكلات من دون اعتبارات أخلاقية معقدة، ولكن حصرًا لتغيير الوظيفة الطبيعية العادية، لأننا نعتبر أن ذلك سيكون أفضل، وهذا يعني أن الوظيفة الطبيعية العادية في حد ذاتها غير كافية أو تشكو من عيب.

وعندما قررت أن أُعِدَّ قائمة بهذه التدخلات التي تغير الوظيفة الطبيعية، أدركت أن العديد منها (وربما معظمها) يُستخدم في مراحل رئيسية في دورة حياتنا الطبيعية.

وتشمل هذه المراحل: 1- الحمل، 2- النموّ داخل الرحم، 3- الولادة، 4 - النموّ والنضج الجنسي الإنجابي، 5- الإنجاب، 6- الشيخوخة المتقدمة، 7- الموت.



 

وتتميز جميع هذه المراحل الأساسية في نموّ الإنسان بتغيّراتٍ في عدد الخلايا ووظائفها، وهي مبرمجة وراثيًا لتَحدُث في تسلسل معين، لا نعرف بالضبط لماذا تحدث بعضُ المراحل في عمر معين، وليس في وقت لاحق، ولكن يبدو أننا نعتقد أن الترتيب الطبيعي والتوقيت يمكن تحسينُهما من خلال جهودنا الفكرية وترجمتها إلى اختراعات تكنولوجية تتيح لنا التلاعب بالوظائف البيولوجية الطبيعية.

لذلك وبالتسلسل الزمني، دعونا ننظر في التدخلات التي تغير البداية:

الحمل، والنموّ داخل الرحم، والولادة. فمنذ وقت طويل أصبح لدى البشر إمكانية للتحكم بالولادة، إما عن طريق منع الحمل (أي جميع وسائل منع الحمل، بما في ذلك الوسائل الجراحية، مثل قطع القناة المنوية وربط قناتَي فالوب)، أو منع أو إيقاف نمو الجنين (أي دوائيًا – حبوب منع الحمل بعد الجماع، أو ميكانيكيًا الإجهاض) أو تحريض الحمل باستخدام التحفيز الدوائي (تحريض الإباضة)، أو الجمع بين البويضات والحيوانات المنوية في المختبر، أي التلقيح الصناعي/ طفل الأنبوب (IVF)، أو تطور الجنين في رحِم غيرِ رحِم الأمّ (أي في رحِم أمٍّ حاضنة، وليس الأمّ البيولوجيّة). ومؤخّرًا (لا يزال في طور البحث لاستخدامه في البشر) تطوير أرحام اصطناعية للحفاظ على نموّ الأجِنّة الخُدَّج جدًّا خارج جسم الأم، في حالة الولادة غير الطبيعية والمبكِّرة جدًّا. ويجري استخدام العديد من هذه التدخلات ليس لأننا مرضى، ولكن لأننا نريد التحكّم بموعد الحمل والولادة، نريد التحكّم بالوقت الأنسب لنا، وفقًا للوضع الذي نعيشه، وليس بالضرورة لأننا نعاني من مشكلة صحية (على الرغم من أنها تستخدم أيضًا عندما تكون هناك مشكلة صحية). علاوة على ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن بعض هذه التقنيات ظهر لجعل الحملِ والولادةِ ممكنَين بعد سن معينة.

لذا، فسواءٌ أكان ذلك للأفضل أو للأسوأ، يمكننا الآن نحن أن نقرِّر هل للحياة الجديدة أن تبدأ ومتى تبدأ.
 

خلال أزمة كوفيد 19، كانت إحدى التقنيات التي يجري تفضيلُها في محاولة الوقاية من مرض مُعْدٍ، تقنية الحمض النووي الريبوزي المعدَّل الذي أُنشِئ في المختبر (Getty)


بعد الولادة، ننمو وننضج لنصبح كائنات نشطة جنسيًا. وقد شهدت هذه المرحلة مؤخرًا ثورة بفضل التدخلات الدوائية الهرمونية التي تسمح بتأخير البلوغ وتغيير الملامح الهرمونية المحددة وراثيًا في محاولة لتغيير الجنس/ الهوية الجنسية. تعدِّل هذه العلاجات الهرمونية بعض الخصائص الظاهرية للشخص (على سبيل المثال، تعميق نبرة صوت، الإناث البيولوجيات)، لذا فإن السبيل الوحيد لإتمام التحول هو الجراحة، عن طريق إزالة الأعضاء الطبيعية التي تعمل بشكل طبيعي (مثل الثديين أو القضيب) وإنشاء أعضاء جديدة لا تتطور بشكل طبيعي لدى الجنس الآخر (مثل المهبل الجديد أو القضيب الجديد). لا تُجرى هذه التدخلات لعلاج أي مرض، لأن البلوغ ليس مرضًا يصيب الجهاز البولي التناسلي، بل تُجرى لفرض إرادة الفرد الذي يعتقد، أو يشعر على طريقته أن مساره الطبيعي الجيني للتطور خاطئ. علاوة على ذلك، حتّى في حالة عدم تقدير العواقب طويلة المدى لهذه التدخلات، فقد تبيّن وجود عديد من الآثار الجانبية للعلاجات الهرمونية والجراحية، ولكن هذه العواقب السلبية (بما في ذلك تلك التي تسبب أضرارًا جسدية وأمراضًا، يقلِّلون من شأنها بوصفها غير ذات صلة، لأن الهدف الأهم يكمن في تحقيق رغبة الشخص الذي يريد التحوّل إلى جنس مختلف عن هويته الجينية).

 وجدير بالذكر أيضًا أن هذه التدخلات ستظل سطحية، حتى ولو بدت عميقة من الناحية الجسدية، لأن كل خلية في الجسم تحتفظ باختلاف كروموسومي (أي بصبغيّات xx/xy) يحدِّد وظائفها الخلوية التي تطورت بعد أكثر من مليار سنة من التكاثر الجنسي (على سبيل المثال، إنتاج كمية معيّنة من هرمونات محددة)، ولكنْ، سواءٌ أكان ذلك نحوَ الأفضل أو نحوَ الأسوأ، يمكننا أن نقرر أن ننمو ومَن نصبح عندما ننضج.

ما إن نبلغ حتى يكون معظمنا قادرًا على التكاثر خلال الفترة الزمنية التي تكون فيها وظائف الجهاز التناسلي في ذروتها، وهذه الفترة المثلى أقصر زمنًا، وتنتهي باكرًا عند النساء مقارنة بما عند الرجال، وعادة يفقدها الأشخاص المتحوِّلون جنسيًا الذين يخضعون لجراحة جذرية للأعضاء التناسلية.

أضف إلى ذلك أن انشغال النساء، في كثير من الأحيان في المجتمعات الغربية الحديثة، بأنشطة أخرى (مثل متابعة التعليم العالي والوظيفة) في الفترة المثلى فيزيولوجيًا للإنجاب يجعل الإنجاب غير مناسب في ذلك الوقت ويؤجّل إلى سن متقدِّمة، حين تنخفض وظيفة الإنجاب المثلى. بالطبع، إن هذا لا يعتبر اليومَ مشكلة كبيرة، لأن لدينا تدخلات تكنولوجية (تعرف الآن بالعلاجات، لأنها تهدف إلى استعادة وظيفة الإنجاب التي لا تحدث) قد تسمح بحدوث الحمل في سن متأخرة (مثل التلقيح الاصطناعي/ أطفال الأنابيب) أو في رحم امرأة أخرى (أي التأجير الرحمي/ الأم الحاضنة) وما زلنا لا نعرف كيف ستتطور تكنولوجيا الأرحام الاصطناعية، لأن ما يدّعي الباحثون أنه علاج للأجنّة الخُدَّج جدًا التي لن تنجو أبدًا بدون بيئة شبيهة بالرحم لتتطوّر بسهولة وبشكل كامل في الأرحام الاصطناعية خارج جسم الأمّ تمامًا.

من المثير للاهتمام أننا نلاحظ أن التغييرات الاجتماعية/ الثقافية التي تسمح للنساء بالدراسة والعمل في مجالات كانت غير واردة قبل بضعة عقود، قد أدّت إلى تدخّلات طبية بيولوجية في مسألة الإنجاب المتأخِّر الذي من المفترض أن يحدث عادة خلال الفترة الزمنية المثلى التي تحددها بيولوجيتنا الطبيعية.

فبدلًا من محاولة التدخل أو تعديل الناحية الاجتماعية، على سبيل المثال، ينبغي تنظيم سبل تسمح للنساء، وهنَّ أصغرُ سنًّا، بإنجاب الأطفال، وإتاحة الفرصة لهن بإكمال دراستهن، وتطوير حياتهن المهنية بعد الولادة، نجد أن القائمين على الأمور يفضلون التدخل في الوظائف الحيوية والزمنية الطبيعية، فهل ذلك لأن التدخلات البيولوجية أسهل من التغييرات الاجتماعية الثقافية؟ أم لأن عقولنا تعتقد أن التوقيت الذي تقرره إرادتنا وثقافتنا هو أكثر صحّة مما توفره البيولوجيا؟ من المثير للاهتمام أن نهج التدخل البيولوجي هذا قد يكون له ثمن سيدفعه الجيل القادم، لأنه كلما طالت مدة تأخّر النساء في الإنجاب، زادت فرص تراكم الطفرات في البويضات المخزّنة، وهذا بدوره قد يؤثّر على أطفالهن الذين قد يصبحون عرضة لأمراض النمو أو لأمراض أخرى تلعب فيها الجينات دورًا مهمًا.

لذا، سواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ، يمكننا الآن أن نقرر متى ننجب، وهذا يعني أن نحدِّد متى تبدأ حياة الجيل القادم.

ثم، بعد أن ننجب، نستمر بالتقدم في العمر، ومع عملية الشيخوخة يأتي تدهورٌ أكثرُ أو أقلُّ وضوحًا في وظائف أعضائنا وأجهزتنا، ويترافق احتمال إصابة النساء بأمراض مزمنة مع تدهور وظائف الجهاز التناسلي بنضوب مصدر البويضات ومع ما يترتب على ذلك من انخفاض الخصوبة، مع تغيرات هرمونية تسبب سلسلة من الأعراض المعروفة باسم انقطاع الطمث. إنها تغيرات طبيعية، ومع ذلك نقدّم علاجًا هرمونيًا لتخفيف الأعراض، كما لو كانت مرضًا، ولكن هل انقطاع الطمث مرضٌ؟

كذلك قد تواجه النساء والرجال مع تقدُّم السن مشكلات استقلابية، قلبية وعائية، دماغية وإدراكية، بعضها يشخَّص بمرض خاص، وبعضٌ آخر لا يُشخّص بدقة، والعديد من هذه المشكلات يمكن تخفيضه إلى حدٍّ كبير، وأحيانًا إلى الصفر، وذلك تِبْعًا لتغير نمط الحياة، كتغيّر النمط الغذائي، وممارسة الرياضة، والعلاقات الاجتماعية، وتقليل التوتر. ونظرًا لأن تغيير العادات مهمة صعبة، فإننا نعتمد على التقنيات الصيدلانية والطبية الحيوية التي يمكن أن تعوِّض أو تعكس بطريقة ما المشكلات المزمنة، والتدهور الطبيعي المرتبط بالشيخوخة، ولكن هل الشيخوخة مرض؟
 

 
كل خلية في الجسم تحتفظ باختلاف كروموسومي (أي بصبغيّات xx/xy) يحدِّد وظائفها الخلوية التي تطورت بعد أكثر من مليار سنة من التكاثر الجنسي (Getty)


هل نحتاج إلى علاج الشيخوخة؟ ألا نحاول، تحت ستار تحسين جودة الحياة، التغلب على البيولوجيا؟

نحن نملك الآن تقنية يمكنها تغيير أو إضافة وظائف إلى الخلايا، لذا، إذا انخفضت وظيفة خلايا العضلات العادية مع تقدم في العمر، وهذا يؤدي إلى انخفاض كمية البروتينات الكيفية التي تنتجها، مع ما يترتب على ذلك من انخفاض في كتلة العضلات، وبالتالي إلى إضعاف الجهاز الحركي (أحد أسباب تعرض المسنين للسقوط عند المشي)، فهل علينا زيادة إنتاج تلك البروتينات عن طريق mRNA وتقنية جينية أخرى؟ ويمكن تطبيق هذا المنطق نفسه على المفاصل والغضاريف، فهل يجب أن نحافظ على حيوية الغضاريف من خلال هذه التقنيات الحديثة التي تتلاعب بشيفرتنا الوراثية لتزيد من خلق البروتين داخل خلايانا بحيث يتم إيقاف أو تأخير عملية التهاب المفاصل التنكّسيّ degenerative arthritis؟ هل الهدف النهائي هو الحفاظ على مرحلة شباب دائمة؟ هناك شركات طبية بيولوجية تدّعي أن العلاجات الجينية والخلايا الجذعية هي استمرار طبيعي لنهج المكمِّلات الغذائية الصحية الشاملة والطبيعية المصمَّمة لتحسين نوعية الحياة وجعلنا نعيش مدّة أطول، حتى 120 عامًا.

لقد ابتكر عقلنا تكنولوجيا حيوية تبدو متفوقة على العمليات البيولوجية الطبيعية. لذا فإننا- سواء نحو الأفضل أو نحو الأسوأ- نهدف إلى أن نحدد كيف ومتى نشيخ أخيرًا، عندما نصل إلى نهاية دورة الحياة. فكلّنا نموت. أمّا متى وكيف يحدث ذلك، فقد شهد أيضًا ثورة في الآونة الأخيرة، حيث سمح كثير من الدول في الغرب بالمساعدة الطبية MAID على "الموت الرحيم" كشكلٍ من أشكال العلاج الأخير لمن يعاني من مرض عُضال (أي عند اليقين 100% بأنه سيموت بسببه، بعد معاناة لا طائل من ورائها) يَحرمْه من أي فرصة للبقاء على قيد الحياة بشكل طبيعي.

إن هذا الاستخدام المحدد للغاية للمساعدة الطبية على الموت، ولسوء الحظ، يشهد توسعًا كبيرًا حاليًا، وقد يطبَّق في المستقبل القريب جدًا على مَن يعانون من مشاكل صحية عقلية، أو ألمٍ مزمن، أو إعاقة حركية... وهي مشاكل صحية ليست مميتة، ولكنها أمراض تشكل سلسلة من التحديات والمصاعب التي يمكن تخفيفها من خلال تدخلات من أنواع مختلفة.

لذلك، سواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ، يمكننا أن نقرر متى نموت – بمساعدة حكومية.

أسئلة مستحقة

في ضوء كل هذه التدخلات والتقنيات التي تغيِّر وظائف طبيعية بطريقةٍ يُفترض أن تحسِّن طبيعتنا البشرية، فإن الأسئلة التي أطرحها هي:

1- كيف يمكننا التأكد من أن التغيير المعنيّ هو تحسين حقيقي، وأنه على نحوٍ ما أفضلُ أو أكثر فائدة من الحالة الوظيفية السابقة؟ وما هي معايير التحسين أو تعريفه؟

2- هل حدَّدنا جميع الآثار السلبية المحتملة لهذه التقنيات على المدى القصير والمتوسط والطويل؟ وهل يمكن تحديد جميع هذه الآثار بدقة، ولا سيّما الآثار السلبية طويلة المدى، بالنظر إلى التعقيد البيولوجي للبشر والعدد الهائل من المتغيرات المشتركة غير الخاضعة للرقابة التي يمكن أن تؤثر على النتيجة المرجوة؟ علاوة على ذلك، هل لدينا جميع المعلومات اللازمة والبصيرة لتقييم و/ أو استنتاج جميع العواقب المحتملة المتوقعة وغير المتوقعة، للتكنولوجيا الحديثة؟

3- تم تطوير كثير من هذه التقنيات (وربما جميعها) في البداية لتخفيف بعض أنواع الأمراض (مع أو من دون تشخيص محدد)، أو لتقليل المعاناة، ومع ذلك، مع استخدامها المستمر. وتوسعت تطبيقاتها لتشمل حالات لا علاقة لها بالأمراض أو المعاناة، بل برغبات المستهلكين وتفضيلاتهم الشخصية. ومن المحتمل أن تستخدم لتعزيز الوظائف وتحسينها من أجل توفير مزايا تنافسية. هل نعتقد أن التقنيات المستقبلية سيجري تطبيقها بشكل أفضل في حالات محددة يكون فيها التخفيف من المعاناة هو الشاغل الرئيسي؟ أم أن جميع التقنيات التي تغيّر الوظائف البيولوجية الطبيعية مُقَدّر لها أن تصبح أدوات للاستهلاك الشخصي حسب الرغبة؟

4- ما هو تأثير هذه التقنيات على الطبيعة البشرية؟ وهل للاختراعات الفكرية البشرية والتقنيات أن تتحكم في هذه التغييرات البيولوجية لأننا اعتبرناها بطريقة ما مفيدة؟ من يقرر ما إذا كانت هذه الابتكارات في مصلحة (أو تؤدي إلى تحسين موضوعي) الجنس البشري وكيف يجب أن يتصرف هؤلاء الأفراد لإصدار هذه الأحكام؟

5- كيف يمكننا التوفيق بين موجة التعديلات التكنولوجية البشرية والتحدي المتمثل في الحفاظ على البيئة، بما في ذلك جميع أشكال الحياة البرية في حالتها الطبيعية؟ هل نحن حقًا نحترم البيئة في الكوكب إذا كان البشر يغيرون وظائفهم الطبيعية بأنفسهم؟ بعبارة أخرى، نحن نشكو من أن الأنشطة التكنولوجية البشرية غير المراقبة لها تأثير سلبي (يقول البعض إنه كارثي ولا رجعة فيه) على كوكبنا وجميع أشكال الحياة. ومع ذلك يبدو أننا نعتقد أنه لن يكون هناك تأثير سلبي علينا من خلال تغيير المراحل الطبيعية الرئيسية لدورة حياة الانسان. باختصار، هل نحن أعلم من الطبيعة؟ من الحَمْل إلى الموت، ما هو الحد الأقصى للتدخل الذي يعتبر مفرِطًا؟ أعتقد أن هذه هي الأسئلة الحيوية التي يجب أن نطرحها على أنفسنا.

 
الإثنين 2026-06-08
  18:01:44
عودة إرسال لصديق طباعة إضافة تعليق  

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟ 
: الاسم
: الدولة
: عنوان التعليق
: نص التعليق

: أدخل الرمز
   
http://www.
https://www.facebook.com/profile.php?id=100091401295082&rdid=IeZwdYTZV4GpravF&share_url=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fshare%2F1NdHVx6y5T%2F#
https://www.facebook.com/profile.php?id=100067240434120&mibextid=ZbWKwL
صحافة وإعلام

على ذمة /حميدي/ : عجلة التغييرات في دمشق انطلقت

  [ إقرأ أيضاً ... ]
 
السياحة والسفر

جزيرة أرواد: لؤلؤة المتوسط بحاجة إلى اهتمام

  [ إقرأ أيضاً ... ]
 
كاريكاتير

بقائكم في البيت هو الحل لسلامتكم

  [ إقرأ أيضاً ... ]
 
قائمة بريدية
اشتراك
إلغاء الاشتراك

جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2006 - 2026