سيريانديز
أصدرت وزارة المالية موجزها السنوي لأداء الموازنة العامة لعام 2025، في تقرير وصفه الوزير محمد يسر برنية بأنه خطوة إضافية في مسار الإفصاح المالي وتعزيز الشفافية في عرض مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق متعهدا باستمرار نشر البيانات بشكل دوري مع بدء تنفيذ موازنة عام 2026، في محاولة لترسيخ ثقافة مالية أكثر وضوحا أمام الرأي العام، بحسب تعبيره.
إنفاق يرتفع 45%
وأشار التقرير الذي نشرته الوزارة، الليلة الماضية على معرفاتها الرسمية، تحت عنوان براق “إدارة مالية رشيدة وتحقيق وفر طفيف يؤسس لاستقرار مستدام” إلى أن إجمالي الإنفاق العام بلغ 379.2 مليار ليرة سورية جديدة أي ما يعادل 3.447 مليارات دولار بزيادة تقارب 45.7% مقارنة بعام 2024.
وفي منشور للوزير برنية على صفحته الشخصية في الفيسبوك اعتبر أن هذا الارتفاع يعكس توسعا في الالتزامات الحكومية خصوصا مع استمرار بند الأجور والرواتب في استنزاف الحصة الأكبر من الإنفاق بنسبة 41% وهو ما يشير إلى أن "الضغوط الاجتماعية ما تزال تشكل العامل الأكثر تأثيرا في هيكلية الموازنة" بحسب تعبيره.
قفزة في الإيرادات
في المقابل، سجلت الإيرادات العامة نموا لافتا إذ ارتفعت إلى 384.2 مليار ليرة سورية جديدة (3.493 مليارات دولار) بزيادة تتجاوز 120% عن العام السابق، وقد أرجع الوزير برنية هذا التحسن إلى "ارتفاع حصيلة الرسوم الجمركية التي شكلت نحو 39% من إجمالي الإيرادات مدفوعة بتحسن الحركة الاقتصادية وتشديد الرقابة على المنافذ ومكافحة الفساد.
ويرى خبراء ماليون أن هذا النمو الكبير يطرح سؤالا ملحا حول مدى قدرة هذه الإيرادات—خصوصا الجمركية منها—على الاستمرار في ظل تقلبات السوق وتحديات الإنتاج المحلي.
وأشار وزير المالية إلى أن التوازن بين الإنفاق والإيرادات أسفر عن تحقيق فائض “طفيف” يقارب 5 مليارات ليرة سورية جديدة (نحو 46 مليون دولار)، وهو أول فائض تسجله الموازنة منذ أكثر من ثلاثة عقود مبينا أن هذا الفائض يشكل نحو 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 30.6 مليار دولار لعام 2025 مقارنة بعجز بلغ 2.7% من الناتج المحلي في عام 2024.
وأوضح الوزير أن الفائض كان أعلى خلال الربع الثالث من العام، قبل أن يتراجع تدريجيا مع توسع بعض بنود الإنفاق وسداد التزامات متأخرة، ما يعكس حساسية الموازنة تجاه أي تغير في مسار الإنفاق.
موازنة 2026: قفزة في الإنفاق
توقع وزير المالية أن تشهد موازنة عام 2026 تحولا كبيرا في حجم الإنفاق، ليصل إلى 10.516 مليارات دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق عام 2025، ويأتي هذا التوسع، بحسب برنية، بهدف تعزيز الإنفاق الاجتماعي، وتمويل مشاريع استثمارية، ودعم برامج إعادة الإعمار ومكافحة الفقر.
في المقابل، تقدر الإيرادات العامة لعام 2026 بنحو 8.716 مليارات دولار، مع دخول كامل إيرادات النفط والغاز إلى الموازنة، والتي ستشكل نحو 28% من إجمالي الإيرادات، ما يجعل الموازنة أكثر ارتباطا بتقلبات قطاع الطاقة.
نحو شفافية مالية أوسع
وأكد الوزير برنية أن الوزارة ستنشر خلال الأيام المقبلة تفاصيل إضافية حول موازنة 2026، مشيرا إلى أن العمل على إعداد موازنة 2027 سيبدأ الشهر المقبل تمهيدا لعرضها على مجلس الشعب في الربع الأخير من العام، وختم الوزير بالتأكيد على التزام الحكومة بتعزيز الإفصاح المالي “ليعرف كل مواطن سوري ماذا يدخل إلى الموازنة وأين تُصرف هذه الموارد”، في إشارة إلى توجه رسمي نحو توسيع دائرة الشفافية المالية.
أسئلة مشروعة
وفي المحصلة رغم أن الأرقام التي أعلنتها وزارة المالية تعكس تحسنا نسبيا في بعض المؤشرات يرى خبراء المال والاقتصاد أن الصورة الكاملة لا تزال بحاجة إلى قراءة أعمق تتجاوز لغة البيانات الرسمية لأن الفائض المعلن، وإن كان رمزيا بعد ثلاثة عقود من العجز، يبقى هشا أمام أي زيادة غير محسوبة في الإنفاق أو تراجع في الإيرادات خصوصا أن جزءا كبيرا من التحسن يرتبط بإجراءات ظرفية مثل تشديد الرقابة الجمركية أو تسوية التزامات مؤجلة.
وبينما تؤكد الوزارة التزامها بالشفافية، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة السياسات المالية على التحول من إدارة الأزمات إلى بناء استقرار طويل الأمد، وعلى تحويل الأرقام المعلنة من مؤشرات ظرفية إلى مسار اقتصادي مستدام يشعر المواطن بنتائجه الفعلية.