السبت 2026-09-19 14:48:27 أخبار اليوم
سياسة حبس السيولة تربك حياة المودعين.. المركزي يبرر وخبراء يحذرون

سيريانديز - خاص
لم يعد وصول المودعين إلى أموالهم في سوريا مسألة مصرفية، بل أصبح أشبه بإجراء استثنائي يخضع لشروط غريبة لا علاقة لها بالاقتصاد.. حادثة طلب «بيان وفاة» لرفع سقف السحب الأسبوعي لم تعد نكتة متداولة، بل أصبحت دليلا على أن السيولة تدار بمنطق الطوارئ، وأن المواطن بات يتعامل مع مصارف لا تمنحه حقه إلا بعد المرور بسلسلة من الشروط التي لا تمت للمنطق بصلة، هذا المشهد، الذي يصفه الخبراء بأنه «تجسيد لانهيار الوظيفة الأساسية للبنوك»، يعكس عمق الأزمة النقدية التي تضرب البلاد.


كوميديا سوداء
 يقول (ر.أ)، أحد المودعين في مصرف التوفير  في تصريح لشبكة سيريانديز إنه يملك أكثر من خمسة ملايين ليرة جديدة في حسابه، لكنه لا يستطيع سحب أكثر من 2000 ليرة أسبوعيا، مضيفا إنه عندما حاول رفع سقف السحب كان جواب موظفة المصرف صادما: أحضر بيان وفاة لأحد أقربائك من الدرجة الأولى أو الثانية لتحصل على 3000  ليرة ولمرة واحدة فقط.
ويتابع: «أصبت بالذهول… لم أفهم كيف يمكن لورقة وفاة أن تفتح لي بابا إلى أموالي المجمدة في المصارف منذ سنين"، مشيرا إلى أن أن الموظفة لم تقدم أي تفسير، بل اكتفت بتكرار التعليمات، ما جعله يدرك أن المسألة لم تعد خطأ فرديا، بل جزءا من سياسة نقدية خانقة تتعامل مع الكاش كسلعة نادرة تمنح بشروط غير مألوفة.
هذه الحادثة، كما يصفها الخبراء، أصبحت نموذجا لحالة الانغلاق النقدي التي يعيشها القطاع المصرفي، حيث يرى الخبير الاقتصادي مخلص السيد أن ما يحدث يجسد انهيار الوظيفة الأساسية للبنوك إذ لم تعد المصارف مكانا لحفظ الأموال بل بوابة معقدة للوصول إليها.
ويضيف السيد في تصريح لشبكتنا أن المصارف تحولت فعليا إلى «غرف احتجاز نقدي»، تدار بمنطق الطوارئ لا بمنطق السياسة المالية، واصفا ما يجري بأنه «حالة طوارئ مالية لا علاقة لها بإدارة نقدية سليمة وأن هذه الإجراءات تعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والقطاع المصرفي.

المركزي يبرر حبس السيولة
يبرر مصرف سوريا المركزي سياسة حبس السيولة بأنها خطوة ضرورية لضبط سعر الصرف وكبح التضخم، لكن الواقع – كما يراه الخبراء – يسير في اتجاه مختلف تماما، فهذه السياسة، التي قدمت كأداة لضبط السوق، تحولت عملياإلى تجفيف نقدي شامل عطل قدرة المواطنين والتجار على الوصول إلى أرصدتهم، وخلق حالة شلل نقدي امتدت من المصارف إلى الأسواق.
ويشير الخبير الاقتصادي تمام ديبو إلى أن هذا التجفيف لم يقتصر على الحد من السحوبات، بل أدى إلى نشوء سوق موازية لبيع الأرصدة المجمدة بخصومات كبيرة للحصول على الكاش، في مشهد وصفه في تصريح لشبكة سيريانديز بأنه «اقتصاد ظل داخل اقتصاد ظل»، حيث باتت السيولة تباع وتشترى خارج النظام المصرفي الرسمي.
وتزامنت هذه التطورات مع عملية استبدال العملة عام 2026، التي شهدت تأخرا واضحا في ضخ الفئات الجديدة، ما فاقم أزمة الكاش وأدى إلى طوابير طويلة أمام مراكز الاستبدال، وعزز هذا المشهد شعورا عاما بأن السيولة لم تعد متاحة للجميع، بل أصبحت سلعة نادرة تمنح بشروط معقدة، وأن الوصول إلى المال الخاص بات جزءا من معركة يومية يخوضها المواطن في ظل نظام نقدي يزداد انغلاقا.

ركود يتمدد وثقة تحتضر
لم تكتف سياسة حبس السيولة بإبطاء الحركة الاقتصادية، بل دفعت الأسواق إلى حالة ركود تماثلي واضح، إذ تراجعت حركة البيع والشراء وتوقفت أعمال تعتمد بشكل مباشر على الدفع النقدي، وامتد هذا الشلل إلى القطاع الزراعي، بحسب الخبير ديبو، حيث لم يعد الفلاح قادرا على تأمين المحروقات والأسمدة وأجور العمال، ما هدد المواسم الزراعية وعمق الركود الاقتصادي في الريف كما في المدن.
ويضيف ديبو حتى الأدوات الرقمية التي روج لها كبديل آمن، مثل محافظ «شام كاش»، لم تنجح في توفير السيولة الفعلية للمستحقين، الأمر الذي هز الثقة بالتحول الرقمي المفروض، وأظهر أن المشكلة ليست في الوسيلة بل في غياب النقد نفسه.
ويرى خبراء أن ما يبدو استقرارا في سعر الليرة ليس إلا تحسنا وهميا ناتجا عن حرمان الأسواق من الكاش، لا عن تحسن في المؤشرات الإنتاجية، وانعكس هذا الحرمان مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، فارتفعت معدلات الفقر واتسعت دائرة البؤس الاجتماعي، بينما بقي الاقتصاد يتحرك في مساحة ضيقة لا تسمح بالنمو ولا تمنح السوق فرصة للتعافي.

مخاطر حقيقية
تتقاطع آراء الخبراء عند خلاصة واحدة مفادها أن الاقتصاد السوري انزلق فعليا إلى فخ الركود التضخمي، فارتفاع الأسعار يقابله تراجع حاد في القدرة الشرائية، فيما تتآكل الثقة يوما بعد يوم. البنوك، التي كان يفترض أن تكون ملاذا آمنا لحفظ وتنمية الأموال، تحولت إلى جهات احتجاز تقيد الوصول إلى السيولة وتدفع رؤوس الأموال إلى الهروب خارج البلاد، بينما تتسع دائرة الانكماش النقدي بلا توقف.
ويؤكد الباحثون أن أي حديث عن استقرار في سعر الصرف يبقى بلا أساس ما لم تتخذ خطوات جذرية تبدأ بـ فك القيود النقدية تدريجيا، وتمر عبر ضبط المضاربات التي تهيمن على السوق، وتنتهي بإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي، من دون هذه الإجراءات سيبقى الاقتصاد يدور في حلقة مغلقة وسيبقى الاستقرار مجرد عنوان لا يستند إلى أي قاعدة فعلية.

ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026