الأربعاء 2026-01-14 16:34:51 **المرصد**
تحسن الهطول المطري .. فرصة محدودة لالتقاط الأنفاس لكنه لا يغيّر مسار الأزمة ما لم تتغير السياسات.
تحسن الهطول المطري .. فرصة محدودة لالتقاط الأنفاس لكنه لا يغيّر مسار الأزمة ما لم تتغير السياسات.
كتب ماركو علبي
تأتي أخبار تحسّن الهطولات في الإقليم، ولا سيما تجاوز الموسم المطري في بعض الدول (الأردن مثالاً في حين تغيب البيانات كالعادة في سوريا) أكثر من 60 بالمئة من معدله السنوي، بوصفها مؤشراً مناخياً إيجابياً، لكنها في الوقت نفسه تكشف وهماً راسخاً في الخطاب الرسمي الذي يتم تسويقه للمواطن، مفاده أن المطر وحده قادر على إنقاذ المواسم الزراعية.
التجارب القريبة تؤكد أن الهطولات، حتى حين تكون جيدة، لا تلغي العجز المائي ولا تعالج اختلالات السياسات والإدارة، وهو ما يجعل الرهان عليها في الحالة السورية أقرب إلى تعليق الفشل على عامل خارجي منه إلى قراءة مسؤولة للمخاطر.
في سوريا، لا يمكن فصل الحديث عن موسم 2026 عن الانهيار الزراعي الحاد الذي وقع في السنة الماضية .. بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) واضحة في توصيف حجم الصدمة: إنتاج الحبوب تراجع إلى نحو 1.2-1.25 مليون طن، أي أقل من ثلث متوسط السنوات الخمس الماضية، نتيجة جفاف شديد وهطولات كانت الأدنى منذ قرابة عقد. إنتاج القمح انخفض إلى حدود 900 ألف طن فقط، مقابل احتياجات استهلاكية تقارب 2.5 مليون طن سنوياً، ما يعني فجوة غذائية عميقة لا يمكن التعامل معها بوصفها ظرفاً عابراً.
هذه الأرقام تعني عملياً أن سوريا دخلت مرحلة هشاشة غذائية مرتفعة، حيث بات الأمن الغذائي مكشوفاً أمام أي اضطراب إضافي، سواء كان مناخياً أو مالياً أو لوجستياً. ومع تراجع إنتاج الشعير إلى مستويات شبه معدومة، تتوسع الأزمة لتشمل الأعلاف والثروة الحيوانية، ما يهدد بارتفاعات متتالية في أسعار اللحوم والألبان، ويحوّل أزمة الحبوب إلى أزمة غذاء شاملة تمس السلة الأساسية للمستهلك، لا الخبز وحده.
ورغم ذلك، لا تزال وزارة الزراعة تتصرف وكأن المشكلة موسمية بحتة، وكأن دورها يقتصر على انتظار المطر ثم إعلان التفاؤل أو تحميل الخيبة للطقس. هذا النهج، الذي يختزل الزراعة في نشرة أحوال جوية، يتجاهل أن المزارع خرج من موسمين خاسرين بلا سيولة وبلا قدرة على تحمّل المخاطر. في ظل غياب تمويل موسمي، وارتفاع كلفة المدخلات والطاقة، وعدم موثوقية التسعير والدفع، يصبح أي حديث عن موسم واعد بلا أدوات تمكين مسبق خطاباً إنشائياً (وما أكثر هذه الخطابات من سلطة دمشق) لا يترجم إلى إنتاج فعلي.
حتى في حال تحسّن الهطولات في 2026، فإن أقصى ما يمكن توقّعه دون تغيير جذري في السياسات هو تحسّن جزئي يمنع تكرار الانهيار، لا تعافٍ حقيقي. فالمساحات المزروعة لن تعود تلقائياً، والإنتاج لن يرتفع ما لم تُخفَّض مخاطر المزارع فعلياً. استمرار فصل قرار الزراعة عن إدارة المياه، وترك اختيار المحاصيل ومساحات الري بلا توجيه عقلاني، يعني أن جزءاً كبيراً من أي مطر إضافي قد يُهدر دون أثر اقتصادي ملموس.
على مستوى الأمن الغذائي، تترجم هذه المعادلة إلى اعتماد شبه حتمي على الاستيراد في 2026. تقديرات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) تشير ضمناً إلى أن فجوة القمح وحدها قد تتطلب استيراد ما لا يقل عن 1.5 إلى 2 مليون طن لتغطية الاستهلاك، وقد ترتفع الكمية إلى ما يقارب 3 ملايين طن إذا أُخذ بالحسبان بناء مخزون آمن وتعويض أي إخفاق جديد في الموسم. ومع ضعف الاحتياطيات وشح الموارد، فإن هذا الحجم من الاستيراد يضع الأمن الغذائي في مواجهة مباشرة مع قدرة الدولة على التمويل والتوريد في الوقت المناسب.
هنا تبرز مسؤولية وزارة الاقتصاد، التي يفترض أن تدير ملف الحبوب بوصفه ملف استقرار وطني شديد الحساسية، لا مجرد بند في التجارة الخارجية. أي خلل في تمويل الاستيراد أو تأخيره سينعكس فوراً نقصاً في الطحين والأعلاف، ثم ارتفاعاً في الأسعار، ثم ضغطاً جديداً على التضخم والقوة الشرائية، ما يوسّع دائرة انعدام الأمن الغذائي ويزيد اعتماد الأسر على آليات تكيّف سلبية.
في هذا السياق، لفت نظري قبل أيام قرار وزارة الاقتصاد (تم التراجع عنه لاحقاً) برفع الحد الأدنى لرأسمال تأسيس الشركات (الرابط في التعليقات) خطوة معاكسة تماماً لمتطلبات المرحلة عموماً وليس فقط الزراعة. ففي اقتصاد يعاني شح السيولة وتآكل رأس المال، يؤدي رفع عتبات التأسيس إلى تجميد الموارد بدل تشغيلها، ويقوّض استثمارات الناس في الشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يعني حكماً نشاطاً أقل في قطاعات حيوية مرتبطة بالأمن الغذائي، كالتخزين، والطحن، والنقل، والتصنيع الغذائي، والخدمات الزراعية. هذا القرار لا يضعف فقط الاستثمار الزراعي، بل يضيّق قاعدة الفاعلين القادرين على دعم سلاسل الإمداد الغذائية، ويدفع جزءاً من النشاط إلى الاقتصاد غير المنظم، بما يحمله ذلك من مخاطر على الجودة والاستقرار.
كما يفتح مجالات كبيرة لشركات معينة لاحتكار السوق (monopolization)، حيث بدأت بعض الشركات في هذا القطاع تكبر بشكل غير مبرر ويزداد ثراؤها أكثر، ومنها الشركة الزراعية التي يديرها رئيس "لجنة الكسب غير المشروع" «باسل سويدان» والتي تدعى شركة «اكتفاء»، وربما هي صدفة فقط أن سويدان هو معاون وزير الزراعة أيضاً (لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله)، لذلك لا يحتاج المرء الكثير من التحليل ليعرف أن سويدان هو الوزير الفعلي، حيث أن وزير الزراعة لم يراه أحد منذ تعيينه إلا في مناسبات تعد على أصابع يدٕ واحدة، بعكس نهج الاستعراض الإعلامي والإبهار الفارغ الذي كرسته السلطة ووزراؤها.
الخلاصة أن تحسّن الهطولات، إن حصل، قد يمنح الزراعة السورية فرصة محدودة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يغيّر مسار الأزمة ما لم تتغير السياسات. بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) ترسم خطاً قاعدياً لانهيار إنتاجي عميق يهدد الأمن الغذائي ويجعل الاستيراد الواسع أمراً لا مفر منه في 2026. تحويل هذه «الفرصة المناخية» إلى مسار تخفيف حقيقي للمخاطر يتطلب من وزارة الزراعة التوقف عن إدارة القطاع كما يرغب المحتكرون، ومن وزارة الاقتصاد الكف عن اتخاذ قرارات تنظيمية تزيد كلفة الاستثمار في لحظة يفترض فيها توسيع القاعدة الإنتاجية. دون ذلك، سيبقى الأمن الغذائي السوري معلقاً بين هطولات متقلبة وسياسات أكثر تقلباً.
 
 
 
 

 

ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026