الأحد 2009-06-14 03:56:50 ناجح ويعيد
أبو الحِكَم يكره الحياة

في طريق عودته إلى البيت من إحدى مشاويره التي لا تنتهي، مرّ أبو الحِكَم بسوق كبيرة، شجّعته أسعارها المعقولة على شراء كيلو لحم عجل بلدي، فلّما اكتشفت زوجته أنّ اللحم مخلوط بلحم مستورد، استشاط الرجل غضباً، وعاد من فوره إلى السوق، وتشاجر مع اللحام الذي أنكر أن يكون باعه لحماً أصلاً، وحلف بأغلظ الأيمان أنّه لم يرَ خلقته في حياته..!
مرض أبو الحِكَم على إثر ذلك ولزم الفراش، وعندما عدْتُه مواسياً وقائلاً إنّ الأمر لا يستأهل، وإن صحته بالدنيا، قال إنّ وقع صدمة الغش عليه كان قوياً، لكن وقع اليمين الكاذبة كان قاضياً. واستطرد أبو الحِكَم مُفرغاً همّه الثقيل: المشكلة أنّ عقلي لم يستطع تحمّل وجود غشاش على هذه الدرجة من سوء الخُلق، فانهار جسدي كله. أما بالنسبة للحم فقد ذهب أكثر من نصفه إلى هرّنا الذي استفاد مما حدث، وقد فرحت له من كل قلبي والله، فالمسكين لم يذق اللحم منذ زمن طويل.. لم أفكّر أبداً بالخسارة المادية وأنت أكثر مَنْ يعرف أنّ هذه الخسارة، مهما كانت كبيرة، ورغم قلّة دخلي، لا تكسرني أبداً، فكيف إذا كانت زهيدة كما هي الحال هذه المرّة. لا سوء الحظ ولا الخيبات ولا الخسارات جعلتني أيئس يوماً، لكن هذا الغشاش السافل حطّم قلبي.. خذْ مثلاً ما فعله سوء الحظ بي منذ أكثر من ثلاثين عاماً أيام كانت الليرة ليرة، فقد اشتريت ورقة يانصيب وربحت خمسين ألفاً، وبينما كنت وزوجتي نقضي الليل في التخطيط للمستقبل السعيد منتظرين طلوع الشمس بفارغ الصبر لقبض المبلغ، كان فأر محظوظ في الغرفة الثانية يقرض الورقة، ورغم الخيبة المرّة مرّ الحادث عادياً حتى أني توسطت بقوة لدى زوجتي حتى لا تنتقم من الفأر بوضع السّم له، كما قررتْ في لحظة غضب...
وفي مرّة أخرى أرسلت لي ابنتي المغتربة قطعة قماش فاخرة، وحملتها إلى خياط مشهور ببراعته وغرابة أطواره ليفصّل لي منها بدلة، فأخذ القياسات اللازمة ووعد بإنجازها بعد أيام، لكن لوثة جنون فجائية أصابته -على حظي - فصنع من القطعة ستة سراويل قصيرة، ولم أعرف وهو يناولني إياها قائلاً إنّه وضع فيها خلاصة عبقريته الحِرَفية لأنّه سيعتزل بعدها إلى الأبد، لم أعرف هل أبكي أم أضحك، لكني لم أغضب منه..
ولم تتوفر لي بعد ذلك فرصة أخرى للحصول على بدلة محترمة.. ولا ربحت ثانية في اليانصيب، لكن ذلك لم يفسد حياتي ولا جعلني أفقد ثقتي بالناس، أما ما فعله بي هذا الرجل الغشاش فكان قاتلاً: لقد جعلني أكره الحياة..

ٍ جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays - syrianews - سيريانديز- أخبار سورية © 2026