ضعف ماكينة الإنتاج أدى إلى التسيب والإهمال والكسل، وباتت العمالة الحرفية، وخاصة منها العمالة غير المنظمة التي تنمو وتتكاثر في ظل اقتصاد الظل، تعتمد في تأمين رزقها اليومي على الصفقات، وليس على مبدأ المهنة وحاجة السوق ..ما جعل موضوع الأجور مرتبطاً ليس بما يتم إنجازه على أرض الواقع، إنما بالفرصة والمقايضة والابتزاز والمساومة.
وعزا الخبير الاقتصادي الدكتور (مدين علي) ذلك إلى أن السوق وفق العرف الاقتصادي العالمي مرتبط بقوى العرض والطلب وآليات وأخلاق وتقاليد وهي غير متوافرة في أسواقنا.. هي مسألة ثقافة وتطور تاريخي وثقافي .. تراكم آليات اقتصادية تخلق قيم السوق، معنى ذلك أنه ليس لدينا سوق عمل حقيقي يتفاعل فيه العرض والطلب ويتحقق التوازن عند حد معين تتساوى فيه التضحية مع المردود.
مايتقدم يقودنا إلى صلب المشكلة التي باتت تعاني منها قوى الطلب وهي موضوع ارتفاع أجور اليد المهنية الحرفية وتعرضها للابتزاز.. نشاط ظاهرة عمال الشنتة في كافة المجالات الحرفية.. وتزايد نشاط مكاتب الوساطة والسمسرة.. كما تعاني قوى العرض من مشكلة استيراد المنتجات الرخيصة التي لم تعد بحاجة إلى إعادة إصلاح، ما ضرب عمق المهن وأدى إلى زوال بعضها، النتيجة التي أوجدت ظاهرة ازدواجية المعايير بين البطالة وارتفاع أجور اليد العاملة المهنية، وانتشار حالات الابتزاز والاستغلال؟!.
قصص وحكايا
قوى الطلب فندت مشكلتها في ظواهر منها، تجد عمال العتالة جالسين "يتقمرون" تحت شمس النهار اللاهبة، وعندما تطلب منهم نقل أمتعة بسيطة يطلبون مبلغاً يفوق المنطق من حيث الجهد والوقت الذي يتطلبه العمل، وهم متفقون ويفضلون عدم العمل والبقاء "لتقمير" بشرتهم المحروقة تحت الشمس على العمل بأقل من السعر الذي طالبوا به.
أيضاً تجد الغش والابتزاز في العديد من المهن التي أصبحت اليوم نادرة ومنها قيد الزوال مثل "مصلح" الساعات والأدوات الكهربائية والأحذية والنجار وخلافهم لدخول المنتجات الرخيصة التي توصف جودتها بـ «استعمل وكب»، وبعض المهن التي تتطلب الجهد والتعرض للروائح والأوساخ، وعند احتياجهم تجدهم يعملون على مبدأ الصفقة، حيث يطلبون قيمة تعويضية لجهدهم تفوق ثمن القطعة.
كل ما تقدم أوجد ظاهرة عمال الشنتة، وعلى خلفيتهم أوجد الاستغلال والابتزاز وجعل المواطن ضحية في كثير من الحالات.. قال أحد المعنيين في اتحاد الحرفيين، أنه ذات مرة اضطر إلى مهني لتسليك بلاليع منزله، فوجد لافتة موجودة حتى الآن في دمشق كتب عليها اسم صاحب المهنة ورقم جواله، وعندما اتصل به كان جواب المهني أنه يقطن الحسكة منذ ثلاث سنوات ولم يدخل دمشق خلالها، وأنه عندما وضع اللافتة كان يريد العمل في دمشق ولم يستطع الصمود أكثر من ثلاثة أشهر.. وهذه الحالة تقودنا إلى ظاهرة خطرة جداً وهي المهن غير المنظمة، حيث لا مركزية أو ورشة أو مكتباً يمكن للزبون المراجعة فيه، ما يجعل العديد يتعرضون للابتزاز والسرقة وضح النهار، ومثالنا مارواه أحدهم، حيث أراد اقتراض مبلغ من المال من أحد المصارف ونتيجة ضيق وقته الذي سيستنزفه حكماً روتين مصارفنا، كلف معقب معاملات وأعطاه عشرين ألف للبدء بإجراءات المعاملة وهذا "وجه الضيف".
هذه القصص تحدث يومياً في مديريات النقل والمالية والعقارية والتأمينات، حيث معقبو المعاملات المرتزقة على أطراف الطرقات وضحيتهم مواطن مستعجل أرهقه الروتين. ومع أن السمسرة والوساطة ممنوعة في قوانينا وممنوعة في أهداف تأسيس اتحاد الحرفيين، إلا أنها من أكثر المهن رواجاً وتعمل في وضح النهار وفي العلن، دون رخص مهنية، ويفوتون على الخزينة الرسوم والضرائب، ويضربون عمق جيب المواطن، كما حدث مع أحدهم، عندما أراد فرز قطعة أرض وقام بتجهيز كافة الأوراق المطلوبة ثم أعطاها إلى معقب معاملات، قال له إن الأضبارة كاملة والتكلفة لن تتجاوز 8 آلاف ليصل المبلغ إلى 70 ألفاً والمعاملة لم تنته بعد؟!.
من هنا ندخل إلى صلب المشكلة التي تتمثل في موضوع انفتاح السوق الكلي على بوابة الاستهلاك، ما كان له أثره الاجتماعي .. عدم جدية الجهات المعنية في تنظيم اقتصاد الظل.. وعدم استقطاب بعض المهن وتنظيمها وضبطها .. وظهور حالة الكسل والإحباط العام والاتكالية، فالكل يريد مالاً دون عمل وبذل الجهود.
هم ضحايا استغلال
كثيرة هي الظواهر والأفكار غير المنطقية في اقتصاد الظل الذي يشكل 40 – 45 % من الاقتصاد الكلي في البلد.
ومنها هذا العامل الفقير الذي يحتاج إلى بضع ليرات لتدبير خبزه اليومي تراه يرفض أن يتعامل إلا بأسلوب استغلالي .. ويمكنني القول هو ضحية استغلال قائم عليه .. الأمر الذي قاده إلى الانخراط المريض في ممارسة الاستغلال.هناك الكثير من الفئات في مجتمعنا تريد أن تصاب بالغنى والثراء خلال سنة أو سنتين.. لدينا هذا الهروب من الواقع إلى واقع أسوأ. إذاً نحن أمام ثقافة تعم في كثير من القطاعات والمجالات، ولا شك هي ثقافة تخلف رفض العمل إلا بشروطك وطريقتك. إذاً، أنت تستغل وتمارس الاستغلال جميعنا مسؤولون عن هذا الوضع من أفراد ورجال أعمال ونقابات ومؤسسات وقطاع خاص، وهو ينتهي بمجرد توافر فرص العمل وت راجع نسب البطالة، بمجرد إيجاد حلول جذرية شاملة ومهمة لتنظيم قطاع الظل واقتصاد الأرصفة
التنظيم هو الحل
اتحاد الحرفيين الذي من أهدافه وفق مرسوم إحداثه رقم 250 ، مكافحة الوساطة والسمسرة، على علم وبينة بواقع الحال، ويجد الحل الأولي للمشكلة في التنظيم، يقول أحمد صالح نائب رئيس اتحاد الحرفيين : التنظيم هو الحل الأولي وهناك ورشة عمل مركزية تقوم بها هيئة تخطيط الدولة بالتعاون مع الجهات العامة والمنظمات الشعبية واتحاد الحرفيين بدراسة عينات من القطاع غير المنظم لمختلف المحافظات السورية، والمتوقع أن تلحظ هذه الدراسة معاناة ممارسي العمل خارج الإطار التنظيمي واقتراح الحلول المناسبة لدعمهم ووضعهم في إطار التنظيم وتقديم أفكار تمكنهم من الانطلاق والاستمرار في رفد الاقتصاد وسوق العمل. والمتوقع أن تشمل هذه الدراسات إمكانية إعفاء هؤلاء ضريبياً لمدة معينة، بعد دخولهم إطار التنظيم، وتقديم قروض ميسرة لهم. والجدير قوله دخول هذا القطاع إلى إطاره الصحيح، يدعم الاقتصاد الوطني من خلال خضوعه لضريبة الدخل .. كما أن تنظيمه يمكنه من الظهور إلى العلن وتطوير ذاته، ما يجعله مفتوحاً لإضافة فرص عمل جديدة واستقطاب عمالة".
ليس لدينا سوق عمل حقيقي
خبراء الاقتصاد وجدوا عمق المشكلة في الخلل الحاصل في قوى العرض والطلب وآليات وأخلاق السوق، ووجود الاحتكار وغياب المنافسة، وبالتالي بني السوق على قواعد غير منتظمة أوجدت هذه الحالة، يقول الدكتور مدين علي، خبير وباحث اقتصادي:" بالمعنى الاقتصادي السوق مرتبطة بقوى العرض والطلب .. وآليات وأخلاق وتقاليد ليست موجودة في سوقنا .. هي مسألة ثقافة وتطور تاريخي وثقافي.. تراكم آليات اقتصادية تخلق قيم السوق، دور الدولة حماية التوازن في السوق وخلق المنافسة الحقيقية من قوى العرض والطلب. وبمعنى آخر، المسألة مرتبطة بجانبين أساسيين؛ الأول وجود موجة من حالة الكسل، فيحاول التعويض بضربة واحدة ليرتاح ويعتاش عليها ثلاثة أيام. إذاً حالة كسل، الغاية تأمين مصروف لبضعة أيام. والثانية طلب سعر أعلى للوصول إلى الحد المقبول .. وفي ثقافة العامل، أنه من الممكن أن يعطيه المفاوض المبلغ المطلوب للخلاص من هذه القضية .. وشيئاً فشيئاً وفي حالة اللاوعي، يخيّل للعامل أنها قيمة يستحقها ويعممها لدى العمالة الأخرى. ومن خلال واقع تجربة معيشة .. يمكنني القول، أن الأجر لدينا مرتبط بالفرصة والمقايضة والابتزاز والمساومة، خلاف الواقع، حيث قوى العرض والطلب والقيم الاقتصادية والأجر مرتبط بما ينجز على أرض الواقع». ويضيف الدكتور مدين:« ليس لدينا سوق عمل حقيقي يتفاعل فيها العرض والطلب ويتحقق التوازن عند حد معين تتساوى فيها التضحية مع المردود .. ويخطئ من يعتقد أن الأزمة الاقتصادية هي سبب في رفع الأجور، لجهة أن الأزمة تؤدي إلى ركود وتباطؤ النشاط الاقتصادي الذي سيؤدي إلى انخفاض الطلب على قوى العمل، وبالتالي إلى انخفاض الأجر.. وحقيقة ما أؤكده أنه لا يوجد آليات وقيم وتقاليد سوق عمل إطلاقاً بالمعنى الاقتصادي الحقيقي، وهي غير متوافرة، حتى في سوق الإنتاج عند المنتجين الرأسماليين .. إذاً هي غير متوافرة لا في سوق العمل ولا في الاستهلاك ولا الإنتاج".
بلدنا