تحقيق -نور ملحم
أصبح الإعلان أحد معالم المجتمع الحديث والذي لا يمكن الاستغناء عنه، إنه صناعة كاملة يزداد ثقلها يوماً بعد يوم ومؤسسة قائمة بذاتها لجذْبُ المستهلكين ورفع حجم المبيعات لزيادة هامش الأرباح، بات عامل أساسي تبنى عليه استراتيجيات المحال التجارية والمؤسسات الاستهلاكية والصناعية الكبرى، التي تعرض منتجات مختلفة ولا تركز على نوعية محددة من المشترين، وتجند هذه الشركات لهذا الغرض وسائل حديثة ومدروسة هدفها لفت انتباه المستهلك ودفعه لزيادة الإنفاق واقتناء سلع لا يرغب في شرائها أو لا يحتاجها.
وسائل جذب المستهلكين تتفاوت بين طرق تقليدية معروفة من قبيل تخفيض أثمان السلع بنسب مئوية محددة، وعروض المسابقات والجوائز المغرية التي تقام على أساس القرعة والسحوبات العشوائية، ووسائل جديدة استحدثتها الأسواق لجذب المستهلكين من بينها القسائم المسترجعة والكوبونات التي تمنح المشتري الفرصة لاقتناء سلع أخرى مجانا ,وعرض أشتري ثلاثة وأحصل على الرابعة مجاناً وعبارات اشتري وأربح أصبحت تملى المنتجات المحلية والمستوردة من العلكة لتنتقل إلى الكولا والمحارم لتغزو المنتجات الغذائية الباقية .
غش مستتر
يرى عبد الكريم أن الحملات الدعائية ومواسم الترويج التي تطلق في الأسواق لا هدف لها سوى جذب المستهلك المسكين بواسطة مغريات من قبيل التخفيضات والجوائز والهدايا القيمة والسحوبات التي في الغالب لا يفوز فيها إلا قلة قليلة، معتبراً أن هذا التصرف يمكن اعتباره نوعاً من الغش التجاري المستتر الذي يخفى على الجمعيات المعنية بحماية المستهلك,و هدفه الأساسي رفع هامش الربح للتجار وليس التخفيف عن المشترين أو توفير متطلباتهم بأسعار زهيدة من أجل عيونهم.
ولم تعد تغريني الإعلانات والعروض التي تملأ الشوارع، ولا الحملات الترويجية التي تتحدث عن الفوز بسيارة بمجرد الدخول في السحب الذي تزداد حظوظي فيه بالفوز كلما زادت مشترياتي من المحل، وفي الفترة الأخيرة ابتدعوا طريقة جديدة من خلال احتساب نقاط على الفاتورة يتمكن من خلالها المشتري من الحصول على بضائع بنفس القيمة من المحل، وهذه كلها وسائل للاحتيال الذكي على المستهلك المسكين والاستحواذ على أكبر نصيب ممكن من دخله الشهري.
التسوق الذكي
يتفق محمد صالح مع ما قاله عبدالكريم فيما يخص سعي أصحاب المجمعات التجارية المحموم للربح بشتى الوسائل، ويؤكد أن الحملات الترويجية التي تطلق في فترات الركود ومواسم محدودة في السنة وهي لا تغطي كل الأصناف والسلع، بل تختص بالبضائع التي لا تشهد إقبالاً من المشترين، أما السلع المرغوبة والثمينة فتكون خارج العرض.
ويضيف :كلنا نعلم أن الحملات الترويجية ليست حملات خيرية، ،بل هي فعاليات أعدت بدقة متناهية، وخصصت لها المؤسسات والمحال التجارية الكبرى فرق دراسة متفرغة ومحترفة، تعمل طوال السنة على تحديد الأرباح المرجوة من أية حملة، والفترات الزمنية التي يجب أن تستمر خلالها هذه الحملة التسويقية، ومتى تبدأ ومتى تنتهي، وما الشعار الذي يجب أن تعلنه في الشوارع لتجتذب الجمهور، وغيرها من المسائل التفصيلية التي تصب كلها في سبيل رفع حجم الأرباح ورقم الأعمال السنوي، بالإضافة طبعاً لتصريف البضائع الكاسدة وغير المرغوبة، ولكن هذا لا يعني أن هذه الحملات لا تتضمن بعض الإيجابيات التي يمكن للمشتري أن يستفيد منها إن هو تعامل معها بذكاء، وتسوق بطريقة مدروسة تعادل بين الحاجة الآنية للمشتري والقدرة الشرائية، أي دون إخلال بموازناته الشهرية من أجل الحصول مثلاً على سيارة أو ربح تذكرة سفر قد لا يفوز بها سوى شخص واحد بين آلاف الأشخاص المشاركين».
اسحبني أرجوك !!
أما كاسر رضوان فقال إنه مصاب بداء اسمه «اللهاث وراء العروض الترويجية»، معتبراً أن هذا المرض يصيب الكثير من الناس، وأعراضه تتمثل في عدم القدرة على «ضبط الجيب»، والرضوخ لإغراء التخفيضات، وإن كان يحاول التعافي منه بين الحين والآخر من خلال تحاشي التسوق من المجمعات الكبرى خلال الفترات الدعائية.
أنا متيقن من أن التخفيضات التي تنظم في المحلات الكبرى هدفها بيع السلع التي أصبحت كاسدة في المحل، أو التصميمات التي تخطتها الموضة، وأصبحت قديمة، وأعلم كذلك أن الهدف من هذه الحملات هو تحصيل أكبر قدر من الأرباح الممكنة، ولكن لا أستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في داخلي للربح، وبمجرد أن أقرأ قائمة الجوائز والهدايا القيمة التي تشمل السيارات والأجهزة الإلكترونية الثمينة والرحلات السياحية المجانية أجد نفسي منهمكاً في الشراء دون هدف، سوى الحصول على أكبر قدر من الكوبونات والقسائم التي تخولني الاشتراك في السحب على هذه الجوائز القيمة، والغريب أني لم أفز طوال حياتي بأية جائزة ، وعادة ما أحضر عمليات السحب التي تقام بحضور ممثلين من المؤسسات الرسمية، وأظل أكرر في نفسي نداء اسحبني أرجوك اسحبني.. وكل مرة أعود للبيت خالي الوفاض أحمل معي سلعاً كثيرة لا أحتاجها».
عروض مقلدة للماركات
لم تقتصر العروض على غش المستهلك فقط بل أصبحت منتجات العروض تقلد منتجات أكبر وأشهرالماركات العالمية وتباع على أساس عرض ....
ويبرر زكريا قيام بعض التجار ببيع منتجات مقلدة لماركات معروفة عالمياً ويصعب اكتشاف تقليدها بأسعار باهظة رغم أنها مقلدة وقد تسبب أضرارا كثيرة لمستخدميها,وانصح المستهلكين بعدم جعل العروض والأسعار هو العامل الحاسم لشراء المنتجات المعروضة ، لأن الأنواع الرخيصة قد تلحق ضرراً بالغاً , ولكن إذا كان الإعلان يتحدد بوصفه الفيروس المسؤول عن الخلخلة الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة في كثير من المجتمعات الحديثة، فإنه أصبح اليوم جزءاً أساسياً في حياتنا اليومية الاجتماعية، فهو المتحدث الرسمي عن نشاط المنشآت والأفراد وهو وسيلة المستهلكين للتعرف على السلع والخدمات، وهو أداة استشارية عند اتخاذ قرارات استهلاكية,والإعلان عن نشاط يقدِّم رسائل مرئية ومسموعة لأفراد المجتمع، لإغرائهم على شراء سلعة أو خدمة مقابل أجر مدفوع.
ويشرح نجيب علوي الذي يمتلك محلا لبيع العطور ومستحضرات التجميل الطريقة التي يتبعها التجار لبيع المنتجات من خلال العروض ، وذلك بشراء كمية أصلية ومثلها مقلدة تقليدا متقنا ليقوم ببيع الكمية الأصلية بسعر السوق ومن ثم يبيع الكمية الأخرى من خلال طرحه لتخفيضات على منتجاته المقلدة أو بطريقة أشتري علبة عطر وأحصل على الثانية مجاناً ,ما يجعل الكثير من المتسوقين يسارعون لشراء العطور بعد تخفيضها دون أن يعلموا أنها مقلدة ,وتنتشر مستحضرات التجميل والكريمات المقلدة بشكل كبير في الأسواق مع العرض ، وذلك لأتاحه أكبر قدر ممكن من الخيارات لدى العميل أو المستهلك , كي لانتضرر نحن البائعين من جراء التعامل بها وتخزينها".
ما دور مؤسسة الإعلان
محمد لقيس مدير الاستثمار في المؤسسة العربية للإعلان صرح ل" بورصات وأسواق "نقطة البداية تكون من التاجر فهو الشخص الوحيد الذي يقرر ما يريده من الإعلان ,أما مهمتنا كمؤسسة لمراقبة الإعلان الذي يوضع لدينا, وذلك من خلال الشروط والإجراءات الرقابية التي توضع ,هل هذا الإعلان صادق أو مجرد كذب وتلاعب للتغرير بالمستهلك , وإذا تضمن العرض جوائز يكون دور المؤسسة أكبر في الأشراف على الموضوع من خلال إقامة محضر مع أصحاب الإعلان وتحدد الهدية وألية صرفها بالتعاون مع مؤسسة المعارض وجهات أمنية آخرى لمراقبة العملية لتكون النتائج صحيحة ولا تلاعب بها أما بالنسبة للإعلانات المباشرة والظاهرة للمستهلك لا تقوم المؤسسة بالأشراف عليها مثل عرض أشتري خمس قطع وأحصل على هدية أو السادسة مجانا, فالهدايا مباشرة لا نتدخل بها أبداً مثل إعلانات بيبسي والكوكولا أثناء المونديال حملة عالمية لا نتدخل بها .
وبالمقابل أدى وجود الصحف المتخصصة بالإعلانات التجارية التي توزع مجاناً، وبطرق عشوائية إلى زيادة انفلات ميدان الإعلانات التجارية بحيث يمكن لأي كان أن يعلن عن أي شيء كان دون حسيب ولا رقيب، وأقل ما تحمله هذه الإعلانات من أخطار مجرد اللعب والعبث من معاكسات أو تلاعب بأوقات الناس وحاجاتهم ورغباتهم بالإعلانات الوهمية غير الأخلاقية.
معتز الأزرق صاحب شركة الأزرق لتصميم الإعلانات صرح ل" بورصات وأسواق " إننا نقوم بتصميم الإعلان بناء على رغبة الزبون ,عندما يأتينا الزبون يطلب إلينا أن يتضمن إعلانه التأكيد على رخص السعر والجودة وعدم وجود المنافسة أي فرادة المنتج وهي مسألة لسنا من يسأل عنها بل من يسأل عنها هي الجهة التي سمحت له بالترويج في إطار سماحها له بالإنتاج ، كما أن تصميمنا لإعلانه يقتصر على الموافقة الممنوحة له بإنتاج هذه السلعة أي إننا لا نقدم إعلاناً لسلعة لا نتأكد أنها موجودة، وعند الشك بأي خلل يكون موقفنا حازماً ونوقف الصفقة مباشرة, ولكن هل تقوم الجهات الحكومية بواجبها كل في ميدان اختصاصه لمتابعة الظواهر التي تحملها الإعلانات التجارية وتتبعها والبحث عن حقيقتها والتحقق من سلامتها؟ أم أن سوق الإعلان التجارية خارج حدود الرقابة؟ ومن الجهة التي تحدد لنا مقدار الصدقية والنزاهة في الإعلان الموجه لنا، وما آليات الرقابة على منتجاتها أو حتى آلية الرقابة على الإعلان لجهة تضمينه معلومات قد تكون غلط حين يقدم لنا؟
وفي النهاية إذا كانت الشركات تتكلف عشرات أو مئات الملايين للترويج لسلعة معينة تقدمها لنا بأرخص سعر وأفضل جودة فأين ربحها ما دام الربح ينفق كله أو بعضه على الإعلانات والترويج، بل أين يكمن ربح الشركة أساساً؟
فالإعلانات التجارية غسيل للمخ حقيقة، وذلك بالصوت والصورة، وربما بالأغنية المشوقة، وبأساليب أخرى خفية، لإقناع المستهلكين صغاراً وكباراً بأهمية سلعهم وبضائعهم المعلنة من قبل مصمّمين للإعلانات متخصصين في الدعاية والإعلان.
يسير عقليات الناس دون أن يدروا غالباً، في الاتجاه المقرّر عالمياً من قبل مصمّمي الإعلانات والموضات,مصير المستهلكين لم يعد في جيوبهم ولا بين أيديهم، إنه يلعب أمام عيونهم، والتاجر المستفيد المباشر من الاعلانات التجارية يخفي وراءه المستفيد الأكبر، الشركات المنتجة، وما يتصل بها من نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي.