الأجندة الشهرية للمواطن تبدو مثقلة بالكثير من التفاصيل والتي لا تدخل في كثيرٍ من الحسابات، لا سيما تلك المتصلة بمعدلات التضخم والرقم القياسي لأسعار المستهلك التي تعتمد أساساً على سلة مستهلك انتهت صلاحيتها منذ فترة، فالسلة المعتمدة منذ العام 2005 والتي تضم حوالي 750 سلعة، لم تعد قادرة على إعطاء صورةٍ حقيقية عن واقع الحال، وهذا ما يؤدي إلى الوصول إلى أرقامٍ للتضخم يكثر المشككون فيها، لاسيما وأن الحديث كثر في فترةٍ سابقة عن ضرورة ربط الرواتب والأجور بمستويات التضخم وذلك بهدف إنصاف المواطن من ذوي الدخل المحدود، إلا أن المختصين والمحللين وجدوا في هذا الأمر ثغرات تبدأ بكيفية تحديد مستويات التضخم ولا تنتهي إلا عند التهاب جديد للأسعار تلتهم دخل المواطن بالكامل حتى وإن كان مرتبطاً بالتضخم، إلا أن مساحة النقاش ما زالت تتسع للكثير من الحلول خاصةً المتناسبة مع اتساع الفجوة بين مستوى الأجور والمستوى المعيشي ومتطلباته، وهذا يحتم إعادة النظر إلى سلة المستهلك المعتمدة، حيث تتعالى الأصوات حالياً لتثقيلها بما يتماشى مع واقع الحال الذي يعيشه المواطن. فمن غير المنطقي أن يكون كل من مكون السكن والمياه والكهرباء والغاز, وأنواع الوقود الأخرى لا تشكل مجتمعة سوى 22% من إجمالي سلة الاستهلاك، في الوقت الذي يلتهم السكن على سبيل المثال ما يقارب نصف دخل الأسرة السورية، هذا دون النظر إلى اعتراف تقارير رسمية بأن ارتفاع الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك في أشهرٍ كثيرةٍ من العام سببها ارتفاع في هذه المكونات، أما مكون الأغذية والمشروبات غير الكحولية، فيشكل 42 % من سلة الاستهلاك، في حين نجد أن هذا المكون يأخذ الحصة الأكبر من الاستهلاك والدخل.
ليست حقيقية
سلة المستهلك وضعت أساساً لتكون مرآةً لواقع حال المواطن، لكن ما هو قائم حالياً يعطي السلة مكونات استهلاك جديدة، علينا أخذها في الاعتبار فمع اتساع رقع الاستهلاك ودخول مكونات جديدة وتفاصيل جديدة إلى حياتنا اليومية، علينا إعادة توزيع النقاط الألف المكونة لسلة المستهلك بشكلٍ مختلف لتكون انعكاساً حقيقياً لتغطية تكاليف المعيشة فتثقيل السلة حالياً هو على الشكل التالي:
الأغذية والمشروبات الروحية 418.6 نقطة أي ما يقارب 42 % من السلة. وفي الترتيب الثاني، يأتي السكن والمياه والكهرباء 220.6 نقطة أي 22 % من إجمالي السلة والمكون الثالث هو الملابس والأحذية 84.8 نقطة أي ما يقارب 8.5 %، ومكون الصحة يأتي رابعاً، حيث يأخذ 64.4 نقطة أي 6.4 %، والنقل 31.9 نقطة أي 3.2 %، الاتصالات 26.6 نقطة أي نحو 2.7 % ، ثم المشروبات الكحولية والتبغ 21.5 نقطة أي نحو 2.1 %، مطاعم وفنادق 17.7 نقطة أي نحو 0.2 %، والتعليم 9.7 نقطة أي نحو 0.1 %.
وبالنظر إلى هذه المكونات، نجد أن تغير واقع الحال وأسلوب المعيشة وتضاعف حجم الاستهلاك وقيمه في بعض المكونات، لا يجعل هذه السلة مؤهلة لرسم صورةٍ حقيقيةٍ لمستويات التضخم وبالتالي، سيؤدي إلى عجز في وضع الكثير من السياسات المتعلقة بحياة المواطن. فعلى سبيل المثال نجد أن النقل ومع ارتفاع أسعاره بات يشكل نسبة أعلى مما أوردته السلة، هذا علاوةً على دخول أنماط استهلاكية جديدة.
الدكتور عابد فضلية (خبير اقتصادي)، فصّل هذا الأمر بطريقةٍ حسابية وذلك بالارتكاز على أن متوسط إنفاق الأسرة السورية المعلن 24 ألف ليرة سورية، وبحسب السلة يصل حجم السكن والمياه والكهرباء إلى 5250 ليرة سورية وهذا الرقم يتحدث عن نفسه؛ فأجور السكن هي أعلى من هذا الرقم بكثير، في حين تكلفة الاتصالات محددة بـ 624 ليرة سورية، في حين إنفاق الأسرة على الهاتف الأرضي هي أعلى من ذلك، علاوةً على الإنفاق على اتصالات المحمول الذي لا يقل لكل هاتف عن الألف ليرة سورية، وكل هذا دليل على أن السلة لا تعبر عن واقع الحال الذي يعيشه المواطن، كما أنها لا تستطيع أن تعبر عن معدلات حقيقيةٍ للتضخم.
على ذمة المصرف
وفي تقريره الأخير، أكد مصرف سورية المركزي أن معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2010 سجل ما يقارب 4.35 ٪ مقارنة بنفس الفترة من عام 2009 والتي بلغ فيها معدل التضخم 5.13 ٪ وهذا ما يدل على استمرار تأثر الاقتصاد السوري بالانخفاض الحاد والمتراكم في أسعار السلع الرئيسة العالمية منذ النصف الثاني من عام 2008 وبحالة الركود الاقتصادي العالمي في العام 2009 نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية إلى جانب أثر العامل الموسمي في الربع الثاني من العام الذي ساعد على تثبيط التضخم، كما تبين من الدراسة التحليلية الإحصائية للرقم القياسي لأسعار المستهلك في سورية، وعلى الرغم مما رآه المصرف من مؤشراتٍ إيجابية تمس تفاصيل الحياة اليومية للفرد، إلا أن الأرقام ليست دقيقة فمن يقوم بجولةٍ سريعةٍ على الأسواق يرى أن هذه المؤشرات ما هي إلا طموحات وآمال.
تغير أنماط الاستهلاك
يبدو أن القائمين على العجلة الاقتصادية تنبهوا إلى ضرورة إعادة النظر في تثقيلات هذه السلة وبناءً على المسح الذي نفذه المكتب المركزي للإحصاء حول نفقات الأسرة في العام 2009 سيتم تثقيل السلة بمكونات جديدة وإعادة النظر في نسب المكونات السابقة، وهذا ما أشار إليه الدكتور علي رستم «المكتب المركزي للإحصاء» مشيراً إلى أنه مع نهاية الشهر الحالي، سيتم الإعلان عن سلة جديدة للمستهلك، مؤكداً على حتمية تغيير هذه السلة نتيجة التطور الكبير الذي دخل على حياة الناس كالاتصالات مثلاً والوجبات الجاهزة وبالتالي سيكون هناك اختلاف بين السلة الحالية والسلة التي يتم العمل عليها الآن.
تغير أنماط الاستهلاك، أمر طبيعي ولكن الاستمرار في سلةٍ استهلاكية لمدة خمس سنوات دون أن تكون معبرة على الأقل في السنوات الثلاث الماضية عن واقع الحال، أمر يستحق الوقوف عنده، ولكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تصل، لا سيما أن تحديد سلة المستهلك تتم من خلال المسوحات المتعلقة بإنفاق الأسر وآخر مسح تم في العام 2004، ووجود مصدر جديد للمعلومات وهو مسوحات العام 2009 يحتم تحديد سلة مستهلكٍ جديدة، كما يقول ربيع نصر (الأمانة السورية للتنمية ومن الفريق المعد للسلة)، مضيفاً أنه ستتم إعادة تثقيل السلة بناءً على نمط الاستهلاك ومازال العمل قائماً على التفاصيل، ويشير إلى أن السلة الجديدة ستترك حصةً لموضوع الإيجارات والطاقة نتيجةً لتغير النمط الاستهلاكي فيها، وكونها تأخذ جزءاً كبيراً من دخل المواطن.
ورغم تأكيد المختصين على إمكانية حدوث الكثير من الانحرافات في المؤشرات، إلا أن هناك من يعتبر أن الانحرافات بسيطة وليست كبيرة، فيقول فضل الله غرز الدين (هيئة تخطيط الدولة) لا أعتقد أن التأثير كبير، وغالباً تكون الانحرافات قليلة، فالسلة القديمة كانت تضم سلعاً تصل إلى 750 سلعة، ولا تعتبر السلة قديمة جداً؛ فهي منذ خمس سنوات وتراعي فروق كل المحافظات السورية.
بلدنا – إباء منذر