الخميس 2012-05-31 00:33:11 أدبيات
تأريخ لا يروق لكم ..قراءة في التجريب وعنف الخطاب عند محمد على إبراهيم
عبد الحافظ متولي: شاعر وناقد مصري
ملاحظة أولى
بعد أن طرح النقد الجديد أسئلته المحرجة على النص القصصي المعاصر لم تعد النظرة النقدية تفصل بين هذه العناصر كما كانت عليه، بل أضحى النص كلا شاملاً، جماليته تكمن في بنيته التي تتفاعل فيها تلك العناصر.
ووفقا لهذا الفهم يمكننا أن نفسر لماذا تخلصت هذه المجموعة من النمذجة التقليدية، أو تلك النظرة التجزيئية التي فصلت بشكل قهري، بل وفككت بين عناصر القصة فأفرغتها من محتواها التقليدي وبدأت في وضع آليات جديدة للسرد أو ما يمكن أن نسميه بالتداخل السردي حيث تتداخل الوحدات السردية فيما بينها لأن نشاط الحكي، أو نشاط القص لا يتوقف عند حد السرد البسيط الذي يقوم على إضافة الأحداث بعضها إلى بعض، وإنما هو يرمي في آخر الأحداث إلى تكوين وحدات كلية ذات معنى من تلك الأحداث المفردة المتفرقة لان طبيعة الدلالات التي تناولتها فرضت عليها هذا التفكيك وهى دلالات ترصد الواقع الإنساني بشكل عام والواقع السياسي بشكل خاص في كل قصص هذه المجموعة وترصد هذا الواقع وتطوراته سلبا أو إيجابا.
وهذا ما يؤدي بالقارئ في حقيقة الأمر وأثناء متابعته القصة، أو عملية السرد أن يجهد في سبيل إدراك الوحدة الكامنة وراء هذه الأحداث، ففي الحكي، ومتابعته أثناء رواية القصة أو الحكاية، وسرد أحداثها يتطلبان إذن القدرة على الاستنباط، وتكون صيغة عامة كلية من ذلك التتابع، وتكوين هذه الصيغة العامة الكلية هو الذي يؤلف البعد الثاني لنشاط الحكي، أو النشاط القصي
ولعل هذا الانفتاح السردي ليرغم القارئ على الدخول في لعبة المشاركة في تفكيك البنية السردية، بالاعتماد على طاقته الفكرية والجمالية، وهذا ما نلمسه فى قصة " تدوير" حيث يقول القاص
"الوصول إلى نقطة العزاء الحكم يوقف المباراة دقيقة حداد زبيدة كانت تبكى كثيرا والطفل ينوح في أحشائها النسوة يصرخن الزيتون ينز مقهورا العزاء كان ثقيلا اللقاء الأول الدور التمهيدي قراءة الأدوار المسافة من المرمى لمرمى الخصم شريط للذكريات وزير الداخلية أعلن انه سيعاقب قائد العربة المدير خصم من كمال 3 أيام عشان يفوق"
هنا يجعلنا الكاتب هنا أمام وحدة سردية تتداخل فيها وحدات لا تبدو موسعة، ولكنها تشغل تفكيرنا لأنها لا تقول كل شيء، حيث تعتمد على الاختزال والإشارة، فهي لا تبيح، وإنما تدفعنا إلى البحث عن الوحدة الكامنة وراء الحدث، وهذا من خلال تصادم فضاءات الزمن والحدث وتكسير مرجعيتها التقليدية وجعل كاميرا السرد تمر ملتقطة الصور بما تحمل من حزن دفين وواقع مشوه محبط مابين قتلى ملعب بورسعيد والقضية الفلسطينية وهزيمة الروح الإنسانية في علاقة البطل بنهى وهشاشة الإعلام وصورة الصراع بين المقدس والمدنس ووهم المقدس المسيطر على الإنسان وهزيمة الحراك الاجتماعي السياسي وفساد السلطة وتسلط رموز الحكم وغير ذلك
وتكاد تكون كل قصص المجموعة خاضعة لهذا اللون المسمى بالانقطاعات أو انتقاء المقاطع، والمشاهد، فنحن لا نحس ونحن نقرأه بذلك الترتيب الزمني التقليدي، أو بتلك النمطية الذهنية في تتبع الحدث على غرار القصة التقليدية وهذا يقود إلى بروز ملمح جميل جدا في هذه المجموعة وهو
غياب البطل النموذجي
لقد تخلصت هذه المجموعة من سلطة البطل الموحد الذي يتحكم في سير الحدث بدءاً من مطلع القصة إلى نهايتها، ولعل هذا الغياب، والحد من سلطة البطل النموذجي المهيمن قد زاد من تنوع السرد وانفتاحيته، بحيث لم نعد نجد ضميراً واحداً يؤطر الحدث القصصي إلى النهاية، بل نلفي تعددا، وتغيبا لنموذجية البطل، ويظهر ذلك في أغلب قصص محمد على إبراهيم.
ولعل قصة" ثلاثة شوارع قد تصبح شارعا واحدا"والتي ترمز إلى صراع التيارات السياسية من الشيوعية والرأسمالية والإسلامية وأن كان بطلها ينحاز للمذهب الاشتراكي رامزا إليها بالشوارع وفى هذا ذكاء تماهي المكان مع الإنسان تماهيا يكشف وعيا جميلا بالبعد الجمالي للمكان وفاعليته في صنع المناخ الثقافي وفيها أيضا يطرح موقفة من إسرائيل ولقد جاءت هذه القصة كنموذج يجسد هذا الغياب للبطل النموذجي، فلا صوت لضمير واحد، بحيث يجابه القارئ بمسار سردي لوحدات متقاطعة، لا يجمع بينها بالمفهوم التقليدي ذلك التوحيد الزمني الصرف فالقصة عبارة عن تتابع وحدات سردية تجمع بينها علامات تراتيبية، وتكون إما بسيطة أو معقدة في تواترها، بحيث تتبادل الأثر فيما بينها بفضائها السردي، لندرك بعد جهد تركيبي أن هناك تماسكاً، وتوحدا بينها بخيط يصعب التماسه، فهو لا يسعف القارئ في الذهاب مع الحدث ضمن خيط مرسوم يشاركه في نسج بعض آلياته، بل يدخله في لعبة الإيهام ليفسد عليه تصور النهاية وكسل التلقي وترفه إن جاز التعبير، وذلك من خلال تنوع البنيات السرية وتموضعها في قالب الحكاية فيخرج بذلك عن الخضوع لنمطية السرد الخارجي حيث يقول القاص
اليوم عيد وما زال أبى يستيقظ كل عيد داعيا اللهم اغفر لعبادك المتدينين والماركسيين والرأسماليين ووووو اليوم عيد جهزت مبسمي ليلتقي ومبسم النرجيلة في ذلك المقهى العتيق البعيد وفى مقطع آخر من القصة يقول
لقد اقنع رجال الشارع الأبيض أكثر من نصف كبار شارعنا بطريقة لست أعلمها بعقد مؤتمر للإخاء والتحالف وبدت في عيونهم ابتسامة صفراء
وفى مقطع آخر من نفس القصة يقول
قررت ونهى أن نعيش هذا المؤتمر فوق الممر الصغير فالمألوف صار مملا عند عبور وفدهم فوق الممر الصغير ثمة أشواك ونتواءات بدت في النبت بين الورد
وفى مقطع آخرمن نفس القصة يقول
إثناء المؤتمر كان اسحق الوسيم يغازل بعينيه نهى ونهى ما زالت صغيرة فابتسمت له
وفضلا عن السخرية المريرة هنا فإننا نلمح تداخل الأصوات بين الأب والشيوخ ونهى وصوت السارد الضمني واسحق مما يؤكد على غياب البطل النموذجي ويتيح للرمز هنا أن يتحرك بحرية في عالم السرد الذي يخلق مسافات من الدهشة عبر التراكمي غير المتصل بشكل سطحي ولكنه متصل بشكل عميق يحتاج من المتلقي أن يعيد تفكيك النص مرة أخرى ليصل إلى المعنى الإنسانى فيه
وهذه السمة الحكائية قد تمثلها أغلب قصص هذه المجموعة بيد أن هناك سمة أخرى جاءت تعمق معنى السرد القائم على الوحدات وهى تلاشي حدود الأجناس الأدبية، فلم بعد توظيف النص الأدبي الجديد لعناصر فنية حكراً على الشعر وحده كالأسطورة، والرمز. ومن هنا جاءت قصص هذه المجموعة لوحات تتقاطع فيها بنيات حداثية مختلفة، وأصبح الكاتب يسعى إلى القبض على أوسع فضاء، مستعيرا كل التقنيات في مجال السرد لتشكيل الخطاب الأدبي واصلا إلى ذلك عبر توظيف الأغنية والشعر والأسطورة والعجائبى وغير ذلك.
ولعل هذه البنية الحكائية بهذا الشكل في قصص المجموعة من التقنيات التي وجد فيها الكاتب المخرج الوحيد لمد اللغة بطاقة الانفجار، وكذا إثراء الفكرة المركزية ففي قصة "بكارة" لا يبدو ما يريد الكاتب البوح به واضحاً، لكنه يقدمه بعنف، قد يهز المتلقي عبر هذه الانزياحات، بحيث لا يجد نفسه "أمام قصة لها بداية ونهاية، ومن بداية الخطاب إلى نهايته تتصارع فيها الأفكار والعواطف، ويحسم الصراع كما نأمل أن يحسم لصالحه فتفكك الخطاب، يعني انقطاعاً، وبياضا، تعمد الراوي تركه بوعي توظيف البنية السردية الحكائية، ويتجلى ذلك من خلال هذا الجزء من قصة " بكارة" الذي تعمدنا أن نسوقه كاملا
" الحسين هواء يمتلئ بعبق الفيشاوي ترانيم الطرق على النحاس أناس من أرض الله لأرض الله ينتقلون صبية المقاهي يحاورون نقود المارة الشحاذة الصغيرة بتغلس ع العشاق تصطك أكواب الشاي بأرصفة الشارع بأقدام المتعجلين بسباب البائعين بحمد الله كثيرا يصطف المريدون والحناجر ملتهبة في السماء وينشد التهامي
مابين معترك الأحداق والمهج ** أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
تتطاير الأبخرة يجرى النشال الشرطي يقبض ببراعة على كوب الشاي الدافئ
الله حي مداااااااد الحسين رأس في كفن هالة من الحكايات مقام تحتويه أربعة أسوار ذهبية يتلمس أركانها السائلون لغات وحضارات وديانات تناديه
وحدك
متشح بالهزائم والنبوءات
الحسين ولد خلف عيون البنت المهملة
يمارس طقسا خاصا
والبنت امرأة حبلى بالأحزان"
وهنا يخلط الكاتب بين صوتين شعريين وهما صوت وليد فريد في قصائد قصيرة وصوت ياسر عبد الحليم في الغثيان وصوت الحكاء في دهشة عجيبة ليس من باب المثقافة وإنما من باب الانفتاح على عوالم جديدة من السرد ومع ذلك فهو لا يريد أن يكون حكاء عن الحسين وإنما هو حكاء عن الإنسان المغيب والإنسان المتعب ويؤكد هذا ما جاء بعد المقطع السابق من لوحتين قصصيتين جمليتين هما ولوحة " ولد" ولوحة " بنت" ومن هنا نلاحظ غياب البطل النموذجي ونمطية السرد في قصص هذه المجموعة وهذا الغياب كان مقصودا لأنها ناتج عن وعى حاد بحداثة كتابة القصة وهى حداثة محسوبة جيدا عند الكاتب فلم تقع نصوصه القصصية في براثن الغموض والتهويم ولا تدثرت بالتاريخ دون أن تبرز الواقع ولا أولعت بالغرائبى دون أن تستحضر دهشة موازية في إعادة إنتاج الواقع من وجهة نظر فنية لافتة للنظر وكاشفة عن انهيار العالم بوعي سياسي واجتماعي نابه ومخزون ثقافي تراكمي جميل
منظور السردية والزمن القصصي
إن قارئ قصص هذه المجموعة لا يتمكن بسهولة من الوقوف على مضمونها إلا بعد جهد فكري وتأويلي، لأن الرؤيا الإبداعية أضحت لا تولي الاهتمام الكبير للحدث مجردا عن الهرم الفني العام.
فحين نطالع قصة "تأريخ لا يروق لكم" وقصة "سقيفة بني ساعدة" فإننا لا نستطيع إدراك كنه الحدث بالسهولة التي يمكن تصورها. فالكاتب في القصة الأولى يرسم الحدث المركزي الذي يسعى إلى تجسيده، ولكنه لا يقدمه في سرد تقليدي وفق خطية نمطية بل يصبح الكاتب هنا مهندساً يتعامل مع الحدث من منظور إيهامي، تغييبي حينا، ومرموزا حينا آخر، وقد وظف طاقته الفنية، قصد إبعاده عن المباشرة والتصريح المخل. ولنا أن نتأمل هذا النموذج من قصة " تأريخ لا يروق لكم"
"الغزوات تبدأ في الصحراء وكلمة الله ينطلق عاريا إلا من نور الله في الصحراء جيوش وسيوف وطائرات أفراح الغزوة الأولى الصحابة يسألون الحواريين كيف صبرا كيف من بعد بدر يلوح حزيران يموت حمزة شبكة CNN ترصد هند وهى تبعثر الجسد وتحتفي بالكبد الأغر الحكومات تعلن الشجب وإنباء عن قمة عربية قريبة الشيخ يرجو الله يوم الجمعة أن يصيب أمريكا بالطاعون سيناء امتداد صحراء العرب
- "والله لو وضعوا الشمس في يمين..."
- "السلام على يوم ولدت ويوم...."
- كادت المجدلية أن تستحلفه إلا يتمها
- التنحي"
فلن تستطيع أن تضع يدك على حدث معين صرح به القاص لكنه يراوغك مابين المقدس والمدنس والغيبي والواقعي والتاريخي والمعاصر لا ليربك المتلقي وإنما يدفعه إلى التفكير والتماهى مع النص حتى يدرك ما وراء هذا النمط السردي المغاير وأنه أمام سرد يستدعى التاريخ ليؤكد من خلاله الواقع العربي المهزوم أمام الامبريالية الصهيونية والعولمة الامريكة ويدفع المتلقي دفعا ليكتشف الثوابت بين التاريخي والمعاصر
ولذلك فالملفت في أغلب هذه القصص هو، أن الحدث لا يفصح عن نفسه منذ البداية بحيث نصادف في أكثر الأحيان بياضات، كما يسميها النقاد الحداثيون، تجبر القارئ على الدخول في جدلية التأويل، إلى حين النهاية ليدرك كيف يتوزع الحدث عبر شبكة من الرموز، والإيحاءات التي لا تقدم نفسها بتلك النمطية التقليدية المعتادة إلى القارئ. حيث الحدث هنا- وعبر هذا النسق السردي التوالدي- لا يتوخى النموذجية الخطية، بل يتمرد هو الآخر على المباشرة والتصريح، ليلج لعبة الإبهام، والغموض الفني، فلكي ندرك مركزية الحدث، علينا أن نجمع عدة رموز تتقاطعها أفكار تبدو غيبية، تلامس الواقع حيناً وتنفرد منه أخرى، نجمعها لنخضعها إلى القراءة التأويلية ارتكازاً على مرجعية فكرية، حتى نصل إلى مركزية الحدث،. والحدث لم يعد هو الأهم في نظر الكاتب ، بحيث أضحى جزءاً من شبكة هي الإطار الفني لبنية القصة، فإذا كانت الكتابات الأولى تطمح إلى إبراز الجانب المضموني والتركيز على الحدث الذي تتمحور حوله جزئيات القصة، فإن مفهوم الحدث قد تغير عنده ، لأنه تجاوز طروح شكل/ مضمون، بحيث غدا الحدث القصصي عنده هو جزء من عناصر فنية متداخلة.
ثمة ملاحظة أخرى هنا لعبها الكاتب في منظور السردية هو التناص بشكل لافت في أغلب قصص المجموعة مع التاريخ والقرآن والتصوف وغير ذلك ففي قصة " تأريخ لا يروق لكم" نقرأ معا هذا النموذج
"كانت العذراء تحمل الولد الرسول فتنتصب دار ابن الأرقم يتوهج حراء بألق النبوة ...
- اقرأ
- القرى تكتظ بالأميين
- اقرأ
- في المهد لا يجيد الطفل سوى البكاء
- اقرأ
- الميثاق بدء الرسالة
نحن نعرف أن عملية التناص لا بد أن تؤدي إلى إنتاج نص جديد، وأن التناص لابد أن تكون له غاية، وهنا نجد الراوي قد قام بتحوير النص الديني عبر الاستبدال، ليجعله مناسباً للفكرة التي يريد التعبير عنها، وهي تصوير ما يحدث في الواقع، أي أن الراوي وظَّف النص الديني للتعبير عن الواقع المعيش، بعد أن أجرى عليه تغييراً،معينا يناسب الفكري الواعي في السردية المغايرة والمتمردة على النمطية والتقليدية.ليصور ما يشبه القدر الاجتماعي والسياسي الغاشم الذي يصفع فيه المرء، ولا يجرؤ على أن يجأر مستنكراً أو ثائرا رضوخا للخوف المغروس داخلهً. وهو بهذا يلامس حقيقة نفسية تتجسد في البعد الدلالي للقصة الذي يشير إلى استلاب عميق ومؤلم للواقع العربي.
الزمن الأدبي
سيظل الزمن الأدبي الذي يسهم في بنية النص الأدبي وهو زمن يصنعه المبدع مخالفاً به الزمن الطبيعي الذي لا يخرج عن تلك الخطية المعهودة، فهو ضروري في تصميم شخصيات العمل الأدبي وبناء هيكلها، وتشكيل مادتها وأحداثها, كما أنه يتحول إلى زمن العلاقات المتشابكة، فيتطور في حركته اللولبية في قفزات وخطوط بيانية، هي صدى لتطور عام ذلك أنه يستطيع من خلال هذا الزمن وبكل سهولة أن يطير إلى المستقبل، أو يعود إلى الطفولة لأنه –الزمن- يهدم الحائط بين الحلم والواقع فيتجاوز كثافة الأرض الحقيقية طبقة طبقة، ويبلغ مناطق نائية يصبح فيها العالم وهماً، وتزول الأشياء والأماكن والأحقاب من وجهه مفسحة المجال أمام مخيلته لإعادة خلقها كما يشاء
والقاص في هذه المجموعة يلعب لعبة الزمن الأدبي بشكل فني جميل وواع فلا يعبر عنه بأدواته الصريحة، وهي الأفعال النحوية، بل نراه يتوصل إلى ذلك من خلال إعطاء وظيفة زمنية لوحدة مفترض فيها الصفات الاسمية، أي الصفات اللازمانية، فإذا هذه الوحدة تتنكر لأصلها، وتخرج عن خاصيتها فتحتمل من مدلول الزمان ما يجعلها زماناً حياً له ظلال وأبعاد حيث يقول
"الموسيقى هادئة وبكائي عنيف لماء العين أن يتخلل ما بين صدري وارتعاشه نهديك هل مللت الحكاية؟"
فالموسيقى والبكاء وماء العين وارتعاشة النهد والسؤال المدهش جعل هذه الوحدة السردية تشير إلى زمن أدبي يمكن أن نسميه زمن القلق والمفارقة
وهذا يعني أن الكاتب قد تعامل مع الزمن تعاملاً أقرب إلى الأدبية منه إلى المنطق لأنه أدرك بعده الجمالي في تأسيس بنية سردية تخالف البنية التقليدية التي توظف الزمن بمفهومه الطبيعي المتتابع، ولذا أصبح النص الجديد يتعامل مع الزمن تعاملاً غير خاضع لنظام التسلسل، أو المنطق التاريخي أي منطق الزمان التقليدي نفسه وهذا ما نلمسه كثيرا في قصص هذه المجموعة وهذا النموذج يؤكد على ذلك حيث يقول
"على الكنيست تطوى صفحة تشرين وفى تشرين آخر يموت معاوية واسما مازالت مطوحة في الهواء يأتي اليزيد كنت ضد الله والصحراء وكنت اقرأ جيدا وجهي فكيف خسرت يأتي اليزيد اسما ترفضني وأنا البس طاقية حاخامات اليهود الأصدقاء"
وهذا التمرد على التقليدية في فهم الزمن جعل من المجموعة القصصية نصوصاً مفتوحة متحررة من سكونية البعد المكاني، ومطلقة في زمن مطلق لا يخضع لسلطة المضمون، وهو بالتالي يحرر هذا الزمن من زمنية السكون التي يستغرقها في الحياة الواقعية، ليمتد به خارج التاريخ المادي ويسقطه على الحاضر ويرى من شرفته ظلال المستقبل.
ولذلك فكثيرا ما يؤطر الكاتب الحدث في زمن ديني غيبي يرتبط بالحس الديني ولكنه يخرج به إلى الزمن الواقعي حتى يجعله حيز تخيلي مفتوح على كل أفضية الزمن فيزيد في قصة غضب الله اليزيد يحكم" هو السادات في اتفاقية كامب ديفيد ويزيد رمز للفساد المرتبط بالزمن الإسلامي والسادات رمز للفساد المرتبط بالعصر الحديث لكنك لا تستطيع أن تبين خطوط التماهي الزمني بين أشكال الفساد هنا أو هناك لأن القاص بمهارته استطاع أن يضع التماهي في حيز تخيلي محسوب بعناية ووعى وهذا يشير إلى وعيه أيضا بالتقنيات الحديثة في توظيف الزمن القصصي بحيث لم تعد القصة تخضع لذلك التسلسل التقليدي في بناء الحدث والزمان، فكان أن تمردت على خطوط القص الكلاسيكي، وكذا على سلطة الزمان التاريخي الذي هو زمان متصل اتصال حلقات الحضارة، واتصال تقدمها المتواصل من البسيط إلى المعقد، ومن الأقل نضجاً إلى الأكثر نضجاً وبهذا دخلت القصة في تجليات التحديث على مستوى البناء الفني بشكل عام، وكان للغة وشعرية الخطاب القصصي دورهما في النهوض بمسار السرد إلى أفق الانفتاحية مما انعكس على الزمن الذي غدا هو الآخر طرفاً في المعادلة الجمالية، حيث تخلص هو أيضاً من ملازمة الواقع الحرفي والخضوع للتقسيم حاضر/ ماض…. ويعود ذلك إلى أن القاص لم يعد رهبن لوحة قصصية محدودة الإطار زماناً ومكاناً، يصب فيها الحدث في بؤرة مغلقة على غرار ما كانت عليه القصة في فترة سابقة، حيث الرؤية موجهة، بل إن الحدث القصصي نفسه أصبح يخضع لتناقضات الحياة مما كسر خطية العقلانية السردية وأدى بالمبدع إلى أن يلون ذلك الارتداد وتلك الاسترجاعات بأزمنة متداخلة، ومتناقضة في الآن نفسه، تتقاسمها مظهريات غيبية ونفسية. هذا يحيلنا إلى صعوبة الفصل بين الحدث وزمانه للعلاقة الجدلية بينهما، لأن تداخل الأحداث، وغموضها أحياناً وارتباطها بالذات يفرض أزمنة مركبة تختلط فيها الحياة اليومية بعوالم الذاكرة. فقصة"فرح الله" تصور عدم منطقية الزمن في السرد والخروج على تقليديته حيث يقول
" قريش بدأت تلوح في الأفق نحن مصريون وسنموت بمصر وليذهب الملك إلى الجحيم ذكريات سنوات عشر تتدافع في أعين المقاتلين انتصارات وانكسارات قبضت على يديها فكانت بدر فاتحة للانتصارات"
فالتداخل بين الماضي والحاضر تداخل يدل على هزيمة نفسية ويدفع السرد إلى تشابك الأحداث ويكسر خطية العقلانية السردية ويفتح المجال للتمرد عليها وللتجريب المنهجي الواعي
ومثل هذه الأنماط السردية الحداثية تشير إلى كاتب واع لديه مخزون مدهش من الفكر والمعرفة الجمالية والقدرة على التجريب بشكل منهجي لافت للنظر حيث يغيب الحدث المركزي في شبكة من الرموز المحمولة عبر لغة سيميائية، ويغيب معه في آن واحد حدود الزمان والمكان، ويتوزع عبر فضاء مفتوح، وقد لا نشعر بذلك الترابط بين أجزائه إلا عبر أن يبذل القارئ جهد لوضع يده على مفاصل الحدث، بعد فكه من أسر الرمز، والمماثلة الأسطورية وهذا ما تفرضه جرأة الكاتب وانحيازه الأيديلوجى لما يؤمن به من فكر الذي جعل خطابه القصصي عنيفا في مواجهة واقع مغلوط ومنهار ومناخ سياسي فاسد إلى أبعد الحدود فأعاد إنتاج التاريخ بشكل صادم لا يروق لكم لأنه يعريكم ويكشف عوراتكم ويواجهكم بأنفسكم عله يحرك الماء الآسن فيكم .
جميع الحقوق محفوظة لموقع syriandays / arts © 2014